مع الارتفاع المتسارع في أعداد المصابين بمرض الخرف عالمياً، يتجه اهتمام الباحثين إلى عوامل نمط الحياة وعلى رأسها التغذية؛ بحثاً عن وسائل قد تُسهم في حماية الدماغ مع التقدم في العمر، وبينما لا يزال العلاج الفعّال للخرف محدوداً تظهر بين الحين والآخر دراسات تثير نقاش واسع حول أطعمة بعينها، من بينها الجبن كامل الدسم.
من المتوقع أن يرتفع عدد المصابين بالخرف من نحو 57 مليون شخص عام 2019 إلى أكثر من 150 مليوناً بحلول 2050. هذا التزايد دفع العلماء للبحث في دور النظام الغذائي باعتباره عاملاً يمكن تعديله في تقليل خطر التدهور المعرفي.
دراسات سابقة ألمحت إلى أن منتجات الألبان قد تكون مرتبطة بصحة دماغية أفضل، لكن تأثير كل منتج على حدة ظل غير واضح ما فتح الباب أمام أبحاث أكثر دقة.
الخرف عند كبار السن
اعتمد باحثون على بيانات غذائية وصحية لـ 27,670 بالغاً في السويد جُمعت بين عامي 1991 و1996؛ حيث سجّل المشاركون ما تناولوه من أطعمة لمدة أسبوع إلى جانب استبيانات ومقابلات غذائية.
وخلال متابعة استمرت في المتوسط 25 عاماً، أُصيب 3,208 مشاركين بالخرف. وجدت الدراسة، المنشورة عام 2023 في مجلة "Neurology"، ارتباطاً لافتاً بين استهلاك الجبن كامل الدسم وانخفاض خطر الإصابة بالخرف.
علاقة تناول الجبن بأمراض القلب
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تناولوا ما لا يقل عن 50 جراماً من الجبن كامل الدسم يومياً -أي ما يعادل شريحتين تقريباً من الشيدر- كانوا أقل عرضة للإصابة بالخرف بنسبة 13% مقارنة بمن استهلكوا كميات ضئيلة.
كما ارتبط الاستهلاك المرتفع بانخفاض خطر "الخرف الوعائي" بنسبة 29%، وهو نوع شائع ناتج عن ضعف تدفق الدم إلى الدماغ. ولم يقتصر الأمر على الجبن، إذ تبيّن أن من تناولوا كميات معتدلة من القشدة كاملة الدسم يومياً انخفض لديهم خطر الخرف بنسبة 16%.
رغم هذه النتائج المشجعة، يشدد الباحثون على أن الدراسة رصدت "علاقة ارتباط" لا سببية؛ فليس من الممكن الجزم بأن الجبن نفسه هو العامل الوقائي، إذ قد يكون استهلاكه مؤشراً على نمط غذائي أو سلوكي أكثر صحة بشكل عام. كما أن المشاركين كانوا في منتصف العمر بحالة صحية جيدة نسبياً، مع معدلات منخفضة من أمراض القلب والسكري وهو ما قد يكون لعب دوراً في النتائج الإيجابية.
يفترض بعض الخبراء أن منتجات الألبان الدسمة تحتوي على عناصر غذائية قد تدعم الدماغ مثل فيتامين K2 والكالسيوم وأنواع معينة من الأحماض الدهنية. هذه المركبات قد تُسهم في تقليل الالتهاب العصبي ودعم صحة الأوعية الدموية وتحسين استقلاب الدهون.
إضافة إلى ذلك يُعد الدماغ عضو غني بالدهون ويحتاج إلى توازن دقيق من الأحماض الدهنية والكوليسترول؛ للحفاظ على بنية الخلايا العصبية ووظيفتها.
كما تشير أبحاث منشورة في مجلة "Journal of Nutrition " إلى أن منتجات الألبان المُخمّرة قد تحسّن صحة الميكروبيوم المعوي الذي ارتبط بدوره بوظائف معرفية أفضل.
يحذر الخبراء من الاعتماد على الجبن كوسيلة وقائية ضد الخرف، خاصة أن الجبن كامل الدسم غني بالدهون المشبعة التي قد ترفع مخاطر أمراض القلب وهي بدورها مرتبطة بالخرف.
ومع ذلك، فإن تناول الجبن باعتدال ضمن نظام غذائي متوازن غني بالخضروات والألياف والبروتينات الخفيفة والدهون الصحية قد يكون آمناً ولا يستدعي الامتناع التام.