مع حلول شهر رمضان، يحرص كثيرون على شرب كميات كبيرة من الماء خلال وجبة السحور، اعتقاداً بأن ذلك يقيهم العطش طوال ساعات الصيام. ورغم أن الماء عنصراً أساسياً لكل خليةٍ في الجسم، ولا غنى عنه للحفاظ على الوظائف الحيوية، فإن الإفراط في تناوله خلال فترةٍ قصيرةٍ قد يؤدي إلى مضاعفاتٍ صحيةٍ خطيرةٍ، تعرف بـ"فرط الإماهة أو تسمم الماء".
لا توجد معادلة واحدة تناسب الجميع لتحديد الكمية المثالية من الماء يومياً، يعتمد الاحتياج على مستوى النشاط البدني، والوزن، والمناخ، والحالة الصحية العامة. القاعدة الشائعة بتناول ثمانية أكواب يومياً قد تكون مناسبة كنقطة انطلاق، لكن زيادتها بشكل مفاجئ وكبير في وقت قصير، كما يحدث أحياناً في السحور قد يربك توازن السوائل في الجسم.
عادةً ما يكون لون البول الأصفر الفاتح مؤشراً جيداً على كفاية الترطيب، بينما يشير البول الشفاف تماماً والمتكرر بكثرةٍ إلى احتمال الإفراط في الشرب خلال فترةٍ زمنيةٍ قصيرةٍ.
الحفاظ على توازن السوائل في الجسم
عند استهلاك كميات ضخمة من الماء بسرعة، لا تتمكن الكلى من التخلص من الفائض بالكفاءة المطلوبة، فينخفض تركيز الصوديوم في الدم. الصوديوم أحد أهم الكهارل (الإلكتروليتات) المسئولة عن تنظيم توازن السوائل داخل الخلايا وخارجها، وعندما ينخفض مستواه إلى أقل من 135 ملي مكافئ/لتر تحدث حالة تُعرف بنقص صوديوم الدم (Hyponatremia).
في هذه الحالة، تنتقل المياه إلى داخل الخلايا فتتورم، ويُعد الدماغ الأكثر تأثراً نظراً لوجوده داخل الجمجمة الصلبة، يؤدي تورم خلاياه إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة، ما يسبب صداعاً نابضاً، وتشوشاً ذهنياً، ونعاساً، وقد يتطور الأمر إلى تشنجاتٍ أو غيبوبةٍ في الحالات الشديدة.
وتشير مراجعة سريرية نُشرت عام 2022 في مجلة "Frontiers in Medicine" إلى أن الإفراط في شرب الماء خلال فترة زمنية قصيرة يُعد من الأسباب المباشرة لحدوث نقص صوديوم الدم خاصة عند دمج كميات كبيرة من السوائل مع فقدان الأملاح عبر التعرّق أو لدى المصابين بأمراض مزمنة في الكلى أو القلب، موضحة أن الأعراض قد تبدأ بصداع وغثيان وتشوش ذهني وقد تتطور في الحالات الشديدة إلى تشنجات أو غيبوبة، ومؤكدة أن الوعي بتوازن الماء والصوديوم عامل أساسي لتجنّب المضاعفات العصبية الخطيرة.
أعراض لا يجب تجاهلها
من أبرز علامات الإفراط في الماء:
-التبول أكثر من المعتاد (أكثر من 8 مرات يومياً).
-الغثيان أو القيء.
-صداع مستمر لا يزول.
-تشوش التفكير أو صعوبة التركيز.
-تورم اليدين والقدمين وتغير لونهما.
-تقلصات عضلية نتيجة اضطراب الكهارل.
-شعور بالإرهاق الشديد بسبب إجهاد الكلى.
وتتشابه بعض هذه الأعراض مع الجفاف؛ ما قد يدفع البعض إلى شرب المزيد من الماء فيفاقم المشكلة بدل حلها.
فقدان الأملاح عبر التعرق
يزداد خطر فرط الإماهة لدى مرضى قصور القلب الاحتقاني، وأمراض الكلى المزمنة وتليف الكبد واضطرابات الغدة الدرقية أو الكظرية، إضافة إلى من يتناولون مدرات البول أو بعض مضادات الاكتئاب، كما أن الرياضيين الذين يمارسون نشاطًا مكثفاً قد يفرطون في الشرب خوفاً من الجفاف.
في سياق الصيام قد يحاول البعض تعويض ساعات الامتناع عن الماء بشرب كميات كبيرة جداً بين الإفطار والسحور وهو سلوك غير صحي إذا تم خلال وقت قصير دون توزيع متوازن.
لا يسبب الماء زيادة حقيقية في الدهون، لكنه قد يؤدي إلى احتباس السوائل وتورم الأطراف؛ ما يمنح إحساس أو مظهر بزيادة الوزن المؤقتة.
توصيات الخبراء تشير إلى أن النساء بين 19 و30 عاماً يحتجن في المتوسط إلى نحو 2.7 لتر يومياً، والرجال إلى 3.7 لتر مع مراعاة اختلاف الظروف الفردية، وتوزيع الكمية بين الإفطار والسحور أفضل من شربها دفعةً واحدةً قبل الفجر.
في النهاية، يبقى الاعتدال هو القاعدة الذهبية: اشرب عند الشعور بالعطش، وراقب مؤشرات جسمك، وتجنب المبالغة ظناً أنها توفر حمايةً أكبر من العطش، فالإفراط قد يحمل مخاطر لا تقل خطورةً عن الجفاف نفسه.