من نفايات طبية إلى ثورة علاجية.. كيف تنقذ المشيمة حياة المرضى؟

بعد الولادة تُعامل المشيمة غالباً كنفايات طبية. لكن التطور المتسارع في الطب التجديدي غيّر هذه النظرة جذرياً، فالغشاء الأمنيوسي البشري، وهو الطبقة الداخلية التي تحيط بالجنين، أصبح مصدراً غنياً بالخلايا الجذعية، والعوامل الحيوية القادرة على إصلاح الأنسجة التالفة. هذه الاكتشافات فتحت الباب أمام استخدامات جديدة للمشيمة في علاج أمراض مزمنة وإصابات كانت حتى وقت قريب تمثل تحدياً طبياً كبيراً.

خلايا جذعية بقدرات استثنائية

تُعد الخلايا اللحمية المتوسطة المشتقة من الغشاء الأمنيوسي (hAMSCs) من أبرز عناصر هذا التوجه العلاجي، وتمتاز هذه الخلايا بقدرتها على التمايز إلى خلايا عظمية وغضروفية ودهنية، بل أظهرت قدرتها في المختبر على التحول إلى خلايا عصبية وكبدية وقلبية، كما أنها منخفضة التحفيز المناعي، إذ تعبر عن مستويات ضعيفة من جزيئات التوافق النسيجي ما يقلل خطر الرفض عند زراعتها.

بالمقارنة مع الخلايا الجذعية المستخرجة من نخاع العظم أو الأنسجة الدهنية، توفر خلايا المشيمة معدل تكاثر أعلى وسهولة في العزل دون إجراءات جراحية مؤلمة أو إشكالات أخلاقية ما يجعلها خياراً جذاباً في التطبيقات السريرية المستقبلية.

احتباس المشيمة بعد الولادة المشيمة تصبح ثورة علاجية

دور المشيمة في إصابات العظام والغضاريف

في نماذج حيوانية، ساهمت هذه الخلايا في إصلاح عيوب غضروفية وعظمية مع تكوين نسيج شبيه بالغضروف الطبيعي، وتحسن في اندماجه مع الأنسجة المحيطة، كما أظهرت قدرتها على تحفيز تجدد العظم تحت الغضروف؛ ما يمهد لاستخدامها مستقبلاً في علاج إصابات المفاصل والتآكل الغضروفي.

المواد الخزفية مثل الهيدروكسي أباتيت والزجاج الحيوي عززت هذه النتائج عند دمجها مع خلايا المشيمة،حيث حسّنت من الاندماج العظمي وزادت تكوين العظم الجديد.

مكافحة التليف وأمراض الكبد

أظهرت دراسات قبل سريرية قدرة خلايا المشيمة على تقليل التليف الكبدي عبر تثبيط تنشيط الخلايا النجمية المسؤولة عن ترسيب الكولاجين، كما ساهمت في تنظيم جينات مرتبطة بتحلل المصفوفة خارج الخلوية؛ ما يحد من تطور التليف في الكبد والرئة والكلى.

القلب والجهاز العصبي آفاق واعدة

في نماذج احتشاء عضلة القلب لدى الفئران أدى زرع هذه الخلايا إلى تقليل حجم الاحتشاء وتحسين الوظيفة القلبية سواء عبر تمايزها إلى خلايا شبيهة بعضلة القلب أو عبر إفرازها لعوامل نمو تحفز تكوين أوعية دموية جديدة.

أما في إصابات الحبل الشوكي فقد أظهرت نتائج واعدة تمثلت في تحسن الحركة والاستجابة الحسية مع انخفاض مؤشرات الالتهاب وموت الخلايا العصبية، ويُعتقد أن تأثيرها يعود بدرجة كبيرة إلى إفرازها لمواد مضادة للالتهاب ومحفزة للتجدد العصبي.

عندما تلتقي الخلايا بالمواد الحيوية

رغم الإمكانات الكبيرة يظل التحدي في إيصال الخلايا بكفاءة إلى موقع الإصابة وضمان بقائها، هنا يبرز دور المواد الحيوية والسقالات ثلاثية الأبعاد مثل الهيدروجيلات والبوليمرات القابلة للتحلل التي توفر بيئة تحاكي النسيج الطبيعي وتحمي الخلايا من التلف أثناء الحقن.

في عام 2024، نشرت مجلة Frontiers in Bioengineering and Biotechnology مراجعة علمية موسعة تناولت دمج خلايا hAMSCs مع مواد حيوية معدنية وبوليمرية وطبيعية، مشيرة إلى أن هذه المقاربة المشتركة تحسن بقاء الخلايا وتزيد من قدرتها على الالتصاق والتكاثر وتعزز اندماجها داخل الأنسجة المصابة سواء في الجلد أو العظام أو الجهاز العصبي المركزي.

كما ناقشت الدراسة أهمية خصائص السقالات مثل التوافق الحيوي وقابلية التحلل والمرونة الميكانيكية وقدرتها على محاكاة المصفوفة خارج الخلوية الطبيعية باعتبارها عوامل حاسمة في نجاح العلاج.

فوائد المشيمة للجنينأهمية المشيمة في المجال الطبي

تطبيقات سريرية قيد التوسع

تحليل للتجارب السريرية بين 2015 و2020 أظهر أن استخدامات الغشاء الأمنيوسي تتركز بشكل كبير في علاج الجروح والأمراض الجلدية، تليها جراحات العظام وطب العيون. كما بدأت مجالات مثل طب الأسنان والمسالك البولية في دخول مرحلة الترجمة السريرية، مع توقع توسع الاستخدامات مستقبلًا.

إضافة إلى ذلك، يجري تطوير طعوم وعائية صغيرة القطر محمّلة بخلايا المشيمة لتحسين نتائج جراحات الأوعية إلى جانب هياكل حريرية وبوليمرات حرارية الاستجابة لتعزيز تجدد الأنسجة.

تحديات أمام التطبيق الواسع

رغم التفاؤل لا تزال هناك تحديات تتعلق بتوحيد بروتوكولات عزل الخلايا وضمان إنتاجها وفق معايير التصنيع الجيد وتقليل التباين بين المتبرعات، كما أن مواءمة معدل تحلل المواد الحيوية مع سرعة تجدد الأنسجة يمثل تحدي هندسي دقيق.

ومع استمرار الأبحاث قبل السريرية وتزايد الاهتمام الصناعي تبدو المشيمة في طريقها للتحول من نسيج مهمل إلى ركيزة أساسية في مستقبل الطب التجديدي.