لطالما صوّرت كتب العلوم الشعبية الإخصاب كسباقٍ محموم تتنافس فيه ملايين الحيوانات المنوية للوصول إلى بويضةٍ صامتة تنتظر الفائز، لكن هذا المشهد الدرامي رغم انتشاره لا يعكس الحقيقة البيولوجية كما كشفتها الأبحاث الحديثة، فالعلم يقول شيئاً مختلفاً: البويضة ليست متفرجاً بل طرفاً فاعلاً يختار.
في كتابها الصادر عام 2025 "The Stronger Sex: What Science Tells Us about the Power of the Female Body"، تسلط الكاتبة العلمية ستاري فارتان الضوء على واحدة من أكثر الخرافات رسوخاً حول الجسد الأنثوي، فالسردية التي تُعلي من "نشاط" الحيوان المنوي مقابل "سلبية" البويضة تكرّست ثقافياً رغم أن الأبحاث دحضتها مراراً.
أسطورة سباق الحيوانات المنوية
تشرح أستاذة الأنثروبولوجيا البيولوجية لينيت سيفرت، أن الثدييات ومنها البشر، اتبعت استراتيجية تكاثر مختلفة عن الأسماك والبرمائيات والزواحف، فبدل إنتاج كميات هائلة من البويضات وترك مصيرها للبيئة تُنتج إناث الثدييات عدداً محدوداً من البويضات وتحتفظ بآليات التحكم داخل أجسادها، هذا التحول لا يتعلق بالكمّ بل بالتحكم والانتقاء.
في الكائنات التي تعتمد على الأعداد يُنتج الذكور والإناث خلايا تناسلية بكثرة، وتُترك فرص البقاء لعوامل خارجية، أما لدى البشر فما زال الذكر يُنتج ملايين الحيوانات المنوية بينما أصبحت الأنثى أكثر انتقائية.
السؤال الذي يطرحه العلماء: لماذا لم تتطور الحيوانات المنوية لتكون "مختارة" أيضاً؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أن التحكم داخل الجسد الأنثوي يمنح فرصة لانتقاء الصفات الأنسب قبل حدوث الحمل لا بعده.
منذ ثمانينيات القرن الماضي، أظهرت أبحاث أن البويضة تستخدم غلافها البروتيني المعروف بالـ "zona pellucida" لاختبار الحيوانات المنوية كيميائياً، فهي قادرة على الارتباط ببعضها ورفض أخرى. بينما لا يستطيع الحيوان المنوي كسر حتى رابطة كيميائية واحدة دون إذن، هذه النتائج المدعومة لاحقاً بدراسات في التسعينيات أصبحت مقبولة علمياً ونُشرت في مجلات مثل "Quanta وJournal of Cell Science".
البويضات تختار الحيوانات المنوية
رغم ذلك، استمرت وسائل الإعلام العلمية في تقديم هذا الدور الفاعل للبويضة كأنه "اكتشاف جديد". مقالات في Quanta عام 2017 وتقارير جامعية لاحقة تحدثت عن تحدي الفكرة القديمة حول سلبية البويضة.
هذا التكرار دفع "Ms. Magazine" عام 2024 إلى مناقشة أعمال الفيلسوفة العلمية إيفلين فوكس كيلر التي أوضحت كيف يمكن لافتراضات جندرية غير واعية أن تؤثر في تفسير العلم نفسه.
الأدلة الأحدث تشير إلى أن دور البويضة يبدأ حتى قبل وصول الحيوان المنوي، ففي دراسة عام 2020 وجد باحثون من جامعة ستوكهولم بالتعاون مع جامعة مانشستر أن البويضات تطلق إشارات كيميائية تجذب أنواعاً محددة من الحيوانات المنوية وتُبعد أخرى.
هذه النتائج لا تغيّر فهمنا للإخصاب فحسب، بل تعيد صياغة قصة أقدم مما نتصور، فالبويضة بهدوئها الظاهري تمارس اختياراً دقيقاً عبر إشارات كيميائية معقدة مؤكدة أن القرار البيولوجي لا يعتمد على السرعة وحدها بل على التوافق.