تواجه النساء المصابات بالاكتئاب خلال الحمل معادلة معقدة بين ضرورة العلاج والحفاظ على سلامة الجنين. وتُعد أدوية مضادات الاكتئاب من فئة "مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية" (SSRI) من أكثر الأدوية استخداماً لهذا الغرض؛ نظراً لفعاليتها وتحملها الجيد نسبياً، إلا أن الجدل لا يزال قائماً حول مدى أمانها خلال الحمل خاصة مع تضارب النتائج بين الدراسات السابقة بشأن ارتباطها بمضاعفات الحمل وصحة المواليد.
تأثير أدوية مضادات الاكتئاب على الحمل
تكمن إحدى الإشكاليات في صعوبة الفصل بين تأثير الدواء وتأثير الاكتئاب نفسه، فالاكتئاب غير المعالج قد يرتبط بزيادة خطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود وضعف العناية الذاتية للأم؛ ما ينعكس سلباً على نتائج الحمل، لذلك فإن تقييم مخاطر أدوية SSRI يتطلب ضبط العوامل المرتبطة بشدة الاكتئاب حتى لا تُنسب المضاعفات إلى الدواء بينما يكون المرض الأساسي هو السبب.
نُشرت دراسة كبيرة في مجلة "JAMA Psychiatry" عام 2023، اعتمدت على بيانات وطنية في فنلندا، شملت أكثر من 1.27 مليون ولادة حية مفردة بين عامي 1996 و2018، حيث قارنت بين ثلاث فئات: نساء استخدمن SSRI خلال الحمل (بمعدل عمليتي شراء دواء أو أكثر) ونساء لديهن تشخيص بالاكتئاب دون استخدام مضادات اكتئاب ونساء أوقفن العلاج قبل الحمل.
بعد ضبط العوامل المختلفة، تبين أن استخدام هذه الأدوية ارتبط بزيادة ملحوظة في خطر الإصابة بسكري الحمل، وهو احتمال قائم بشكل مستقل عن شدة الاكتئاب.
في المقابل، أظهرت النتائج جوانب إيجابية؛ إذ انخفضت مخاطر الولادة المبكرة (سواء المتأخرة أو المبكرة جداً) وانخفاض وزن المولود لدى المستخدمات للعلاج مقارنة بالمصابات بالاكتئاب غير المعالج. كما تراجعت احتمالات الولادة القيصرية لدى المستخدمات للدواء.
تراجع احتمالات الولادة القيصرية لدى مستخدمات أدوية مضادات الاكتئاب
أظهرت الدراسة أن التعرض لمضادات الاكتئاب من فئة (SSRI) أثناء الحمل ارتبط بزيادة خطر بعض المشكلات المبكرة لدى المواليد، مثل انخفاض درجة أبغار بعد خمس دقائق من الولادة وصعوبات التنفس والحاجة إلى دخول وحدة رعاية حديثي الولادة، كما أن التعرض خلال الثلث الثالث من الحمل زاد من احتمال انخفاض درجة أبغار بشكل أكبر.
ورغم ذلك لم تسجل زيادة في معدلات التشوهات الخلقية الكبرى، بل انخفضت بعض مؤشرات الإقامة المطولة بالمستشفى، مقارنة بمجموعات أخرى ما يشير إلى أن التأثيرات تتركز في التكيف الوليدي المبكر أكثر من العيوب البنيوية الدائمة.
تشير النتائج إلى صورة متوازنة: فبينما قد يزيد استخدام SSRI من خطر سكري الحمل وبعض صعوبات التكيف التنفسي المؤقتة لدى المولود، فإنه في الوقت نفسه قد يقلل من خطر الولادة المبكرة وانخفاض الوزن وهي عوامل ترتبط بمضاعفات طويلة الأمد.
وبذلك يصبح القرار العلاجي فردياً يعتمد على تقييم شدة الاكتئاب، والتاريخ المرضي للأم والمتابعة الدقيقة خلال الحمل، كما تؤكد النتائج الحاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم آلية ارتباط (SSRI) بسكري الحمل وتحديد ما إذا كانت هناك فئات أكثر عرضة للخطر.