تتزايد حالات حساسية الطعام بين الأطفال حول العالم، لتصبح عبئاً صحياً متنامياً يثير قلق الأسر والأطباء. ورغم التقدم الطبي، لا يزال السؤال مطروحاً: لماذا يُصاب بعض الأطفال بحساسية الطعام بينما لا يُصاب آخرون؟
تبدأ الحساسية المرتبطة بالأجسام المضادة (IgE) غالباً في السنوات الأولى، وقد تستمر مدى الحياة، وفي بعض الحالات تؤدي لتفاعلات خطيرة كالحساسية المفرطة. لذا، فإن فهم عوامل الخطر يمثل خطوة أساسية للوقاية.
المضادات الحيوية تسبب حساسية الطعام
أظهر تحليل علمي واسع نُشر عام 2025 في مجلة "JAMA Network Open"، شمل 2.8 مليون طفل في 40 دولة، أن معدل الإصابة المؤكدة يبلغ نحو 4.7% حتى سن السادسة. وكشفت البيانات تفوتاً إقليمياً؛ حيث سُجلت معدلات أعلى في أستراليا والولايات المتحدة مقارنة بالشرق الأوسط وإفريقيا.
أبرز ما كشفه التحليل، أن الأطفال الذين يعانون من أمراض تحسسية مبكرة هم الأكثر عرضة للإصابة لاحقاً بحساسية الطعام، فيما يُعرف بمسار "الزحف التحسسي" (Atopic march).
فالإصابة بالإكزيما في السنة الأولى ترفع الخطر بنحو 4 أضعاف. ويرتبط ذلك بخلل في حاجز الجلد (بسبب طفرات جين الفيلاغرين)، مما يسمح لمسببات الحساسية بدخول الجسم عبر الجلد قبل أن يتعرف عليها الجهاز المناعي عبر الفم.
ويرتبط ذلك بخلل في حاجز الجلد حيث يؤدي فقدان الماء عبر الجلد، ووجود طفرات في جين الفيلاغرين إلى تسهيل دخول مسببات الحساسية عبر الجلد قبل تعرّف الجهاز المناعي عليها عن طريق الفم.
من النتائج اللافتة أن تأخير إدخال بعض الأطعمة الصلبة مثل الفول السوداني بعد عمر 12 شهراً ارتبط بزيادة خطر الإصابة، وتدعم هذه النتيجة التوصيات الحديثة التي تشجع على إدخال الأطعمة المسببة للحساسية بشكل مبكر وتدريجي تحت إشراف طبي بدلاً من تأجيلها كما كان يُعتقد سابقاً.
الإكزيما تسبب حساسية الطعام
يُعد استخدام المضادات الحيوية في الشهر الأول من حياة الرضيع كان من أقوى عوامل الخطر مقارنة باستخدامها لاحقاً خلال السنة الأولى أو أثناء الحمل، ويُعتقد أن التأثير على توازن البكتيريا المعوية (الميكروبيوم) يلعب دوراً محورياً في تشكيل استجابة الجهاز المناعي.
هذه النتائج تعيد إحياء فرضية "النظافة" التي طرحت لأول مرة في أبحاث منشورة في "BMJ" والتي ربطت بين قلة التعرض الميكروبي المبكر وازدياد أمراض الحساسية.
التاريخ العائلي للحساسية كان مؤشر قوياً خاصة إذا كان كلا الوالدين يعانيان من حساسية، كما ارتبطت الإصابة بكون الطفل ذكراً وكونه المولود الأول و الولادة كانت قيصرية.
وأظهرت البيانات أيضاً أن الهجرة قبل الولادة أو النشأة في بيئة مختلفة عن أصل الأسرة ارتبطت بزيادة الخطر ما يشير إلى تداخل العوامل البيئية والاجتماعية مع الاستعداد الوراثي.
لم تجد الدراسة فروق مهمة مرتبطة بانخفاض وزن الولادة أو الولادة المتأخرة أو تناول الأم لبعض الأطعمة أثناء الحمل أو التوتر النفسي خلال الحمل ما يبدد بعض المعتقدات الشائعة.
خلص الباحثون إلى أن حساسية الطعام لا تنشأ بسبب عامل واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين عوامل وراثية وميكروبية وبيئية واجتماعية إضافة إلى توقيت التعرض لمسببات الحساسية. هذا الفهم المتكامل يفتح الباب أمام سياسات وقائية أكثر دقة تستهدف الأطفال الأعلى عرضة للخطر منذ الأشهر الأولى من حياتهم.