تعد العلاقة بين الأم وطفلها في الأيام الأولى من الحياة أمراً حيوياً، فهي تزود الرضيع بالغذاء اللازم، والتحفيز الاجتماعي الضروري في نمو الدماغ. خلال مرحلة ما بعد الولادة تمر خلايا الدماغ بعمليات حاسمة مثل تكوين المشابك العصبية (synaptogenesis) ونضوج الخلايا العصبية وتمايز الخلايا الدبقية (glial differentiation) بطريقة دقيقة ومتناسقة، وأي اضطراب في هذه المرحلة المبكرة قد يترك أثراً طويل الأمد على صحة الدماغ والسلوك لاحقاً.
التلامس الجسدي المباشر بين الأم والرضيع يعزز نمو الدماغ لديه
تشير دراسة نُشرت في مجلة "Brain Research Bulletin" عام 2024 إلى أن الانفصال المبكر عن الأم يُعد من أهم الضغوط النفسية في مرحلة الطفولة المبكرة. هذا الانفصال يعطل تكوين الروابط الطبيعية بين الطفل والأم ويؤثر على تطور دماغ الرضيع على المدى الطويل.
الأطفال الذين يتعرضون لهذا النوع من الضغط المبكر يظهرون تغييرات في استجابات الدماغ للضغط العصبي على مستويات متعددة، بما في ذلك الالتهابات العصبية ومشاكل بالجهاز العصبي الصماوي (neuroendocrinology) والنشاط الكهربائي للخلايا العصبية.
تشير النتائج إلى أن التعرض للانفصال عن الأم في مرحلة الطفولة المبكرة يرتبط بزيادة خطر الإصابة باضطرابات نفسية وعصبية عند البلوغ، من أبرز هذه الاضطرابات:
-القلق المزمن
ضعف الإدراك وصعوبات التعلم
توضح الدراسة أن هذه التأثيرات تنشأ نتيجة تفاعل معقد بين الاستجابة الالتهابية العصبية والاختلالات في إفراز الهرمونات المرتبطة بالضغط النفسي والتغيرات في النشاط الكهربائي للخلايا العصبية، وهو ما يؤثر على تنظيم العواطف والذاكرة والسلوك الاجتماعي على المدى الطويل.
الصحة النفسية للأطفال
استند الباحثون في الدراسة إلى نماذج الانفصال المبكر عن الأم؛ لفهم كيفية استجابة الدماغ البشري للضغط النفسي المبكر وهو ما ساعد في توضيح الروابط بين التعرض المبكر للضغط العصبي وظهور الاضطرابات النفسية في مراحل لاحقة من الحياة. هذه النماذج تمثل جسر بين الدراسات المخبرية والتطبيقات السريرية إذ توفر بيانات علمية يمكن توظيفها لتحسين رعاية الأطفال حديثي الولادة.
توصلت الدراسة إلى أن فهم تأثير الانفصال المبكر عن الأم يمكن أن يشكل مصدراً لإلهام تحسين الرعاية المبكرة للرضع، ومن خلال تعزيز الروابط المبكرة بين الأهل والأطفال يمكن تقليل احتمالية التعرض لاضطرابات القلق والاكتئاب، ودعم نمو الدماغ بشكل صحي، كما يمكن أن توجه هذه النتائج السياسات الصحية لمراكز الرعاية الوليدية وتدريب الأطباء والممرضين على التعامل مع ضغوط الأطفال المبكرة بشكل أفضل.