دراسة علمية تفجر مفاجأة عن دور الأب في صحة الأبناء

لطالما ركزت الأبحاث النفسية والاجتماعية خاصة خلال القرن العشرين على دور الأم في تشكيل الصحة النفسية والجسدية للأبناء، ونُسبت مشكلات عديدة لأنماط تربية الأمهات سواء وُصفت بالمفرطة في الحماية أو الرافضة أو المتسلطة، لكن العلم بدأ يعيد النظر في هذه الفرضيات مع اتساع دائرة البحث لتشمل جميع أفراد الأسرة.

فالصحة في الطفولة لا تتحدد فقط بالغذاء والنشاط البدني، بل تتأثر  بنوعية العلاقات داخل المنزل وطريقة تفاعل الوالدين مع الطفل ومع بعضهما البعض.

والضغوط الأسرية - كما أظهرت أبحاث سابقة- ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بالسمنة و السكري وحتى الوفاة المبكرة.

التوجيه الأبويالتوجيه الأبوي يؤثر في صحة الأبناء

دور الأب تحت المجهر

نُشرت دراسة في مجلة "Health Psychology" عام 2023، حيث تتبّع باحثون من جامعة ولاية بنسلفانيا 292 أسرة على مدى سنوات في محاولة لفهم تأثير التفاعلات المبكرة بين الوالدين والطفل على الصحة لاحقاً.

بدأت الدراسة بمراقبة تفاعلات ثلاثية بين الأب والأم وطفلهما بعمر 10 أشهر، ثم أعاد الباحثون تقييم الأسر عندما بلغ الأطفال عامين وأخيراً عند سن السابعة، وخلال جلسات لعب مصورة استمرت 18 دقيقة قيّم الفريق سلوكيات مثل حساسية الوالدين، والتفاعل الإيجابي وديناميكيات المشاركة في التربية بما في ذلك الانسحاب أو التنافس على جذب انتباه الطفل.

النتيجة اللافتة أن سلوك الأب وليس الأم كان مرتبطاً بمؤشرات الصحة الجسدية للطفل بعد سنوات.

من التفاعل إلى المؤشرات الحيوية

الأطفال الذين كان آباؤهم أقل انتباهاً لهم في عمر 10 أشهر أظهروا في سن السابعة مؤشرات أعلى على ضعف صحة القلب والتمثيل الغذائي، مثل ارتفاع مستويات الالتهاب وسكر الدم. وعلى النقيض فإن الآباء الذين تفاعلوا بحساسية أكبر مع أطفالهم كانوا أكثر قدرة على التعاون في التربية وهو ما انعكس على انخفاض مستويات بروتين C التفاعلي (CRP) والهيموغلوبين السكري (HbA1c) لدى الأطفال.

وهذه المؤشرات الحيوية لا تعكس مشكلة عابرة، بل ترتبط بمخاطر الإصابة بأمراض مزمنة في منتصف العمر أو لاحقاً.

يشير الباحثون إلى أن التوتر الأسري قد ينشّط الجهاز المناعي ويؤثر في تنظيم سكر الدم وهي استجابات تطورية كانت تهدف إلى مساعدة الإنسان على مواجهة الخطر، لكنها تصبح ضارة عند استمرارها لفترات طويلة.

مشكلات الصحة النفسية بين الطلابمشكلات الصحة النفسية لدى الأطفال

لماذا الأب تحديداً؟

طرح الباحثون ما أسموه "فرضية هشاشة الأب" والتي تفترض أن الآباء قد يكونون أكثر حساسية للتوتر بين الوالدين ما يدفع بعضهم إلى الانسحاب أو التنافس بدلاً من التعاون، هذا السلوك قد يخلق مناخاً عاطفياً متوتراً ينعكس على الطفل بيولوجياً.

كما اقترح الفريق تفسيراً آخر، وهو أن الأطفال يقضون وقتاً فردياً أطول مع أمهاتهم، مما يجعل سلوك الأب أكثر بروزاً وتأثيراً في التفاعلات الجماعية.

قراءة حذرة للنتائج

ررغم أهمية النتائج، يؤكد الخبراء أنها دراسة "ارتباطية" لا تثبت علاقة سببية مباشرة، فقد تتداخل عوامل وراثية أو بيئية. ومع ذلك، يرى المختصون أن تتبع ديناميكيات الأسرة وربطها بمؤشرات بيولوجية ملموسة يُعد إنجازاً بحثياً مهماً، يعيد تقييم دور الأب في السنوات الأولى، ليس فقط عاطفياً بل صحياً أيضاً.