لطالما وُصفت أمراض القلب والأوعية الدموية بأنها التهديد الصحي الأول عالمياً، لكن المثير للانتباه أن الرجال غالباً ما يواجهون هذا الخطر في سن أبكر من النساء. هذا الفارق العمري لا يقتصر على النوبات القلبية فقط، بل يمتد ليشمل طيفاً واسعاً من أمراض القلب والأوعية؛ ما يطرح تساؤلات مهمة حول أسبابه وتوقيته وكيفية الوقاية المبكرة منه.
فجوة صحية تبدأ مبكراً
تشير الملاحظات السريرية منذ عقود إلى أن الرجال يُصابون بمرض القلب التاجي في المتوسط قبل النساء بنحو 10 سنوات. ومع ذلك ظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كان هذا الفرق ينطبق أيضاً على حالات أخرى مثل فشل القلب أو السكتة الدماغية؛ خاصة مع تغيّر أنماط الحياة الحديثة وتقارب معدلات التدخين وارتفاع ضغط الدم والسكري بين الجنسين.
مرض الشريان التاجي عند الرجال
اعتمد باحثون على بيانات طويلة المدى من دراسة (CARDIA) التي تابعت أكثر من 5 آلاف مشارك من سن 18 إلى 30 عاماً لمدة تجاوزت 30 سنة. وقد أظهرت النتائج المنشورة في مجلة "Journal of the American Heart Association" عام 2024 أن إصابة الرجال بأمراض القلب والأوعية الدموية تصل إلى نسبة 5% في عمر 50.5 سنة، بينما لا تصل النساء إلى النسبة نفسها إلا عند 57.5 سنة؛ أي بفارق يقارب 7 سنوات.
الأهم من ذلك أن تباعد معدلات الخطر يبدأ في الظهور مبكراً منذ سن 35 عاماً، ويستمر طوال منتصف العمر حتى بعد ضبط العوامل التقليدية مثل التدخين والنشاط البدني وتأثير الهرمونات الأنثوية.
أوضح التحليل أن معدلات الإصابة التراكمية بأمراض القلب وفشل القلب ومرض الشرايين التاجية كانت أعلى بشكل واضح لدى الرجال، بينما لم يظهر فرق ملحوظ في السكتة الدماغية. ويرى الباحثون أن هذه المرحلة العمرية تمثل بداية تراكم عوامل الخطر الصامتة في وقت لا تكون فيه الفحوصات الدورية المكثفة جزءاً من الروتين الطبي المعتاد.
رغم تقارب أنماط الحياة بين الرجال والنساء في العقود الأخيرة، فإن الفجوة في خطر الإصابة لم تختفِ؛ هذا يشير إلى أن العوامل البيولوجية -إلى جانب التفاعل المعقد مع السلوكيات الصحية- تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد سابقاً.
فوائد حمية البحر المتوسط على صحة القلب
يرى خبراء غير مشاركين في الدراسة أن الالتزام بنمط حياة صحي منذ الشباب هو خط الدفاع الأول: ممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، وتجنب التدخين، والتحكم في التوتر، والحصول على نوم كافٍ. ويؤكدون أن هذه التوصيات لا ترتبط بجنس أو عمر، بل ينبغي أن تكون قاعدة لكل بالغ.
يُجمع المختصون على أن النظام الغذائي ركيزة أساسية لصحة القلب؛ الأنظمة مثل "حمية البحر المتوسط" أو (DASH) تحظى بأدلة قوية في تقليل مخاطر أمراض القلب، مع التركيز على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والدهون الصحية وتقليل الصوديوم والمشروبات السكرية.
الجدل حول الدهون المشبعة
رغم عودة الدهون المشبعة إلى الواجهة في بعض الاتجاهات الغذائية، لا يزال الإجماع العلمي يربط الإفراط فيها بارتفاع الكوليسترول الضار وزيادة خطر أمراض القلب، خاصة عند غياب التوازن الغذائي والألياف ومضادات الأكسدة.