قد تبدو رسمة وشم صغيرة على الجلد أمراً بسيطاً، لكنها في بعض الحالات تتحول إلى بوابة لمضاعفات صحية معقّدة تتجاوز حدود التهيّج الموضعي؛ حيث تشير تحذيرات طبية متزايدة إلى أن بعض "أحبار التاتو" -خاصة اللون الأحمر- قد تُثير تفاعلات مناعية شديدة تصل إلى التهابات جلدية معمّمة ومشكلات وظيفية نادرة، ما أعاد فتح النقاش حول أمان مكوّنات هذه الأحبار وخطورة استخدامها دون رقابة طبية.
خضع رجل بولندي في منتصف الثلاثينيات لوشم صغير على ساعده الأيمن، عبارة عن زهرة بلون أحمر في عام 2020. لم يكن يتوقع أن هذه البقعة الصغيرة ستقوده إلى تجربة صحية غير معتادة.
بعد نحو 4 أشهر من إجراء الوشم، بدأت تظهر على الرجل أعراض أولية غير مريحة مثل:
-حكة شديدة في موضع الوشم.
-تقرّح الجلد وانسلاخ الطبقات العليا.
-طفح جلدي بارز.
لكن الحالة لم تتوقف عند هذا الحد؛ إذ بدأ الالتهاب يمتد إلى أكثر من 90% من سطح الجلد، وتحول التفاعل الموضعي البسيط إلى التهاب جلدي معمَّم.
التهاب شديد وحكة بالجلد بسبب الوشم
مع تفاقم الالتهاب، تسبب في فقد الرجل شعر رأسه وجذعه بالكامل في حالة تعرف بـ"الثعلبة الشاملة" (Alopecia universalis). والأغرب والأخطر كان توقفه التام عن التعرّق، وهي حالة نادرة جداً تسمى "انعدام التعرّق" (Anhidrosis).
هذا العرض الأخير قيّد حياة الرجل بشكل كبير؛ إذ أصبح غير قادر على:
-ممارسة الرياضة.
-العمل في أجواء حارة.
-التواجد في أماكن دافئة دون خطر ارتفاع حرارة الجسم.
الأطباء الذين تابعوا الحالة وثّقوها في دراسة منشورة عام 2023 في مجلة (Clinics and Practice)، ووصفوا هذا السيناريو بأنه نادر وغير مُبلَّغ عنه بهذا الاتساع من قبل. بحسب الدراسة، فإن اختبارات "رقعة الجلد" أكدت وجود استجابة مناعية مفرطة يُرجَّح أنها ناجمة عن مكوّنات حبر الوشم الأحمر. ورغم العلاج المطوَّل بأدوية "ستيرويدية" لتثبيط المناعة، لم يحدث تحسّن كبير في البداية.
الإصابة بالثعلبة نتيجة الحبر الأحمر
عندما فشلت العلاجات التقليدية في وقف التدهور، لجأ الفريق الطبي إلى الاستئصال الجراحي لأجزاء الجلد الملتهبة التي تحتوي على الحبر الأحمر. ولكن حتى هذا الإجراء لم يوقف رد الفعل المناعي بشكل كامل، بل ظهرت لدى الرجل بقع من "البهاق" (Vitiligo) تشير إلى اضطراب مناعي أوسع.
لاحقًا وبعد إزالة الحبر الأحمر بالكامل من الجلد المصاب ومع الاستمرار في الأدوية المثبِّطة للمناعة ومعدّلة الاستجابة المناعية، بدأ نمو الشعر مجدداً تدريجياً وتوقّف تقدّم البهاق، غير أن مشكلة انعدام التعرّق بقيت دون حل واضح حتى الأن.
تشير أبحاث حديثة إلى أن احتمالية حدوث تفاعلات ضارّة تختلف باختلاف لون الصبغة وتركيبها الكيميائي. ويرتبط اللون الأحمر بخصائص تجعله أكثر إثارة لردود فعل مناعية مزمنة بسبب احتوائه أحياناً على معادن ثقيلة سامة مثل: الزئبق، الكادميوم، أو الزرنيخ، وأصباغ عضوية عالية الحساسية (مثل بعض الـ Azo pigments) التي لم تُصمَّم أساساً للبشرة. تجدر الإشارة إلى أن اللوائح الأوروبية التي شدّدت على مكونات أحبار الوشم لم تُطبق حتى عام 2022.
الأطباء ما زالوا غير متأكدين من الآلية الدقيقة التي أدّت إلى انعدام التعرّق، لكن بعض الفرضيات تشير إلى أن مكوّنات الصبغة عملت كمستضدات استهدفت الغدد العرقية وأطلقت استجابة مناعية جهازية تتجاوز الموقع الأصلي للوشم. وهذا يتماشى مع دراسات سابقة وجدت ضعف التعرّق أو اضطراب وظائف الجلد الموشوم في بعض الحالات.
قصة هذا الرجل البولندي ليست مجرد حالة فردية غريبة، بل تحذير من مخاطر مناعية قد تُرتبط بمكوّنات بعض أحبار الوشم، خاصة الحمراء منها. ومع تزايد الإقبال على الوشم في المجتمعات الحديثة، يصبح الوعي بالمخاطر المحتملة أولوية.