يشهد مجال جراحات التجميل تطوراً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى غرف العمليات، في خطوة تهدف بالأساس إلى تعزيز أمان المرضى وتحسين نتائج الإجراءات الجراحية. ومن بين أكثر هذه الإجراءات شيوعاً عالمياً تأتي عملية شفط الدهون، التي تُجرى لملايين الأشخاص سنوياً، لكنها رغم شيوعها لا تخلو من مخاطر محتملة، أبرزها فقدان كميات كبيرة من الدم أثناء الجراحة، خاصة في الحالات التي يتم فيها شفط أحجام كبيرة من الدهون.
تُعد عملية شفط الدهون من أكثر العمليات التجميلية إجراءً حول العالم؛ حيث يتجاوز عددها 2.3 مليون عملية سنوياً. وعلى الرغم من اعتبارها إجراءً آمناً نسبياً، فإن فقدان الدم الزائد يظل أحد أخطر المضاعفات المحتملة، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى الحاجة لنقل دم أو إلى مضاعفات تؤثر في تعافي المريض. ومع تزايد الاعتماد على إزالة كميات كبيرة من الدهون لتحقيق نتائج تجميلية أفضل، أصبحت الحاجة إلى أدوات دقيقة لتوقع المخاطر أمراً ملحاً.
تطورات جراحات شفط الدهون
في السنوات الأخيرة، بدأ الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً متنامياً في مجالات طبية متعددة من تشخيص الأمراض إلى التخطيط الجراحي، وقد استُخدمت نماذج تعتمد على التعلم الآلي سابقاً؛ للتنبؤ بفقدان الدم في جراحات العمود الفقري والعظام وحالات الطوارئ ما مهد الطريق لتطبيق الفكرة نفسها في جراحات التجميل.
تناولت دراسة نُشرت عام 2024 في عدد يناير من مجلة "Plastic and Reconstructive Surgery" تطوير نموذج ذكاء اصطناعي قادر على التنبؤ بدقة عالية بكمية الدم المفقودة أثناء عمليات شفط الدهون ذات الحجم الكبير. الدراسة قادها باحثون من مؤسسات طبية متخصصة واعتمدت على تحليل بيانات مئات المرضى باستخدام تقنيات التعلم الآلي.
اعتمد الباحثون على بيانات 721 مريضاً خضعوا لعمليات شفط دهون كبيرة الحجم، حيث تجاوزت كمية الدهون والسوائل المُزالة 4 لترات، أُجريت جميع العمليات في عيادتين بأمريكا اللاتينية وفق بروتوكولات جراحية موحدة ما أتاح دقة أعلى في تحليل النتائج، واستُخدمت بيانات 621 مريض لتدريب النموذج بينما خُصصت بيانات 100 مريض لاختبار قدرته على التنبؤ.
نموذج ذكاء اصطناعي يساعد في جراحات شفط الدهون
أظهرت نتائج الدراسة توافقاً ممتازاً بين القيم المتوقعة لكمية الدم المفقودة والقيم الفعلية، مع هامش خطأ محدود للغاية. وبلغت دقة النموذج نحو 94%، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشراً قوياً على إمكانية استخدامه كأداة داعمة لاتخاذ القرار داخل غرف العمليات. هذه الدقة تتيح للجراحين الاستعداد المسبق، سواء من حيث إدارة السوائل أو الاستعداد لنقل الدم عند الضرورة.
لا تقتصر أهمية هذا النوع من النماذج على تقليل المضاعفات أثناء الجراحة فحسب، بل تمتد إلى تحسين فترة التعافي، وتقليل الأحداث السلبية، وتعزيز وعي المرضى بالمخاطر المحتملة قبل الخضوع للعملية. كما يساهم ذلك في تحسين عملية "الموافقة المستنيرة"، حيث يحصل المريض على صورة أوضح لما يمكن توقعه.
يرى الباحثون أن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي في جراحات التجميل لا يزال في بدايته مع خطط مستقبلية؛ لتوسيع قاعدة البيانات وتدريب النموذج باستخدام بيانات من جراحين حول العالم. هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة بأن الذكاء الاصطناعي قد يصبح عنصراً أساسياً في تحسين أمان المرضى وجودة النتائج في جراحات شفط الدهون وغيرها من الإجراءات التجميلية.