رغم أن النساء مازلن أكثر إقبالاً على خدمات الصحة النفسية فإن السنوات الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة في عدد الرجال الذين يطلبون المساعدة النفسية، ورغم هذا التحسن لا يزال كثير من الرجال يترددون في طلب العلاج النفسي بسبب وصمة اجتماعية مرتبطة بفكرة "طلب المساعدة" أو بسبب شعور بعدم الارتياح عند الحديث عن المشاعر، ومع ذلك يرى خبراء الصحة النفسية أن أحد الأساليب العلاجية قد يكون أكثر جاذبية للرجال، وهو العلاج السلوكي المعرفي.
تراجع إقبال الرجال عن العلاج النفسي
يعد العلاج السلوكي المعرفي، المعروف اختصاراً باسم CBT، أحد أكثر الأساليب العلاجية استخداماً في الطب النفسي الحديث، ويتميز هذا النوع من العلاج بأنه قصير المدى ومنظم ويركز على المشكلات الحالية بدلاً من الخوض طويلاً في الماضي.
يشرح المختصون هذا الأسلوب بأنه يشبه دورة تدريبية لتعلم كيفية فهم الأفكار والمشاعر وإدارة السلوك بطريقة أفضل، ويجد كثير من الرجال أن هذا النهج العملي والمباشر يتناسب مع طريقة تفكيرهم لأنه يقدم أدوات واضحة للتعامل مع المشكلات اليومية.
تعتمد الفكرة الأساسية للعلاج السلوكي المعرفي على أن الأفكار والمشاعر والسلوكيات مترابطة بشكل وثيق وأن كل عنصر منها يؤثر في الآخر، فعلى سبيل المثال عندما يشعر شخص بالقلق قد تكون لديه أفكار سلبية أو متشائمة تزيد من حدة القلق، هذه الأفكار قد تقود بدورها إلى سلوكيات معينة مثل تجنب المواقف الاجتماعية أو الانسحاب من الأنشطة اليومية.
خلال جلسات العلاج يعمل المعالج مع المريض على تحديد هذه الأفكار التلقائية وفهم تأثيرها على السلوك، ثم يتم تدريب المريض على استبدال أنماط التفكير غير المفيدة بأفكار أكثر واقعية ما يساعد على تغيير السلوك تدريجياً.
القلق والاكتئاب
لا يقتصر استخدام العلاج السلوكي المعرفي على علاج الاكتئاب أو اضطرابات القلق فقط، فقد أظهرت أبحاث عديدة أنه يمكن أن يساعد أيضاً في التعامل مع مجموعة من المشكلات الصحية المرتبطة بالتوتر، تشمل هذه الحالات الأرق المزمن، ومتلازمة القولون العصبي والألم المزمن ومتلازمة التعب المزمن والفيبروميالجيا والصداع النصفي، كما يمكن أن يكون مفيدًا في التعامل مع مواقف الحياة الصعبة مثل الطلاق أو مشكلات العلاقات أو القلق الاجتماعي.
ناقشت مجلة Harvard Health Publishing في عام 2023، دور العلاج السلوكي المعرفي في مساعدة الرجال على إدارة الضغوط النفسية وتحسين جودة حياتهم، مشيرة إلى أن هذا النوع من العلاج يمنح المرضى مهارات عملية يمكن تطبيقها في الحياة اليومية.
تبدأ أول جلسة عادة بتقييم شامل للحالة النفسية للمريض حيث يناقش المعالج الأعراض التي يعاني منها الشخص والأهداف التي يرغب في تحقيقها من العلاج، كما يتم استكشاف العوامل التي قد تكون ساهمت في المشكلة مثل ضغوط العمل أو التغيرات الحياتية أو المشكلات الصحية أو فقدان شخص عزيز، بعد ذلك يضع المعالج والمريض خطة علاجية مشتركة تتضمن أهداف واضحة وتُحدد لكل جلسة أجندة محددة تتضمن تقنيات مختلفة للتعامل مع المشكلة.
أحد الجوانب المميزة للعلاج السلوكي المعرفي هو ما يعرف بالواجبات المنزلية العلاجية فالمريض يُطلب منه تطبيق بعض التمارين أو الاستراتيجيات في حياته اليومية بين الجلسات، قد تشمل هذه التمارين تسجيل الأفكار السلبية، أو تجربة سلوكيات جديدة في مواقف اجتماعية أو تنفيذ أنشطة محددة لتحسين المزاج، هذا الجانب العملي يجعل العلاج أكثر تفاعلية كما يسمح للمريض بتقييم مدى فعالية التقنيات المستخدمة في حياته الواقعية.
يعتمد هذا النوع من العلاج على مجموعة متنوعة من الأساليب المصممة لتغيير أنماط التفكير والسلوك، من بين هذه الأساليب ما يعرف بالتعرض التدريجي حيث يواجه الشخص مخاوفه خطوة بخطوة حتى تصبح أقل إزعاجاً، فعلى سبيل المثال قد يبدأ شخص يعاني من القلق الاجتماعي بخطوات بسيطة مثل التواصل البصري أو إلقاء التحية على الآخرين، كما يتضمن العلاج تدريبات على مهارات التواصل من خلال تمثيل مواقف حياتية تساعد الشخص على التعبير عن أفكاره ومشاعره بوضوح أكبر.
وتُستخدم أيضاً تقنيات مثل جدولة الأنشطة وتنشيط السلوك حيث يتم تشجيع المريض على القيام بأنشطة محددة حتى عندما لا يشعر بالرغبة في ذلك لأن تغيير السلوك يمكن أن يساعد بدوره في تحسين المزاج.
غالبًا ما يستمر العلاج السلوكي المعرفي بين ثمانية واثني عشر أسبوعاً مع جلسات أسبوعية تستغرق نحو خمسين دقيقة.