التدخين أثناء الحمل.. خطر صامت قد يهدد صحة الأبناء مستقبلًا

لم يعد ارتفاع ضغط الدم مشكلة تقتصر على الكبار إذ تشير الأدلة الطبية إلى أن ارتفاعه في الطفولة يرتبط بقوة بفرص الإصابة بارتفاع ضغط الدم في مرحلة البلوغ وهو أحد أهم عوامل الخطر لأمراض القلب والوفيات المبكرة.

وسط هذا القلق المتزايد تتجه الأنظار إلى العوامل التي قد تؤثر على برمجة الجهاز القلبي الوعائي منذ الحياة داخل الرحم وعلى رأسها تدخين الأم أثناء الحمل.

ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفالارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال

تأثيرات مبكرة تبدأ قبل الولادة

لطالما أشارت أبحاث سابقة إلى احتمال وجود علاقة بين تدخين الأم أثناء الحمل وارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال لكن النتائج ظلت متباينة، كما ركزت معظم الدراسات على الضغط الانقباضي فقط واعتمدت غالباً على تقارير ذاتية دون قياسات بيولوجية دقيقة للتعرض للتبغ.

غير أن دراسة أمريكية نُشرت عام 2024 في مجلة Hypertension سعت إلى تقديم صورة أكثر شمولاً من خلال تحليل بيانات موسعة شملت آلاف الأطفال ومتابعتهم على مدار سنوات.

دراسة متعددة المجموعات تكشف الارتباط

اعتمد الباحثون على بيانات من مشروع ECHO (Environmental Influences on Child Health Outcomes)، وضمت العينة 13,120 طفل وُلدوا بين عامي 1999 و2020 ضمن 52 مجموعة بحثية في الولايات المتحدة، بلغت نسبة تدخين الأمهات أثناء الحمل 9.3% وتوزع الأطفال تقريباً بالتساوي بين الذكور والإناث.

تم قياس ضغط الدم لدى الأطفال بين عمر 3 و18 عاماً مع احتساب متوسط درجات معيارية للضغط الانقباضي والانبساطي وفقاً للعمر والطول والجنس، كما عُرِّف ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال بناءً على معايير معتمدة تشمل تكرار القياسات المرتفعة في ثلاث زيارات منفصلة على الأقل.

وأظهرت النتائج أن أي تعرض لتدخين الأم أثناء الحمل ارتبط بارتفاع ملحوظ في ضغط الدم الانبساطي لدى الأطفال في حين لم يكن الارتباط بالضغط الانقباضي ذا دلالة إحصائية واضحة، كما تبين أن خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم كان أعلى بنسبة 54% لدى الأطفال الذين تعرضوا للتدخين الجنيني مقارنة بغيرهم.

تطور الروابط العصبية في دماغ الجنينتأثير التدخين على الجنين

الفتيات أكثر تأثراً

عند تحليل النتائج حسب الجنس بدا التأثير أقوى لدى الفتيات مقارنة بالفتيان سواء من حيث ارتفاع الضغط الانبساطي أو احتمالية الإصابة بارتفاع ضغط الدم، كما أظهرت البيانات أن تأثير التدخين كان أوضح لدى الأطفال الأكبر سناً (6 سنوات فأكثر) ما يشير إلى أن الأثر قد يتفاقم مع التقدم في العمر.

قياسات بيولوجية تدعم النتائج

لتعزيز دقة التقييم، استعان الباحثون بقياس مستوى "الكوتينين" في بول الأمهات خلال الحمل لدى عينة فرعية تضم 2763 مشاركة، والكوتينين هو ناتج أيضي للنيكوتين ويُعد مؤشر حيوي موضوعي على التعرض للتبغ، وأظهرت النتائج توافق كبير (أكثر من 95%) بين التقارير الذاتية والقياسات المخبرية.

كما ارتبط التعرض النشط المثبت بالكوتينين بارتفاع في كل من الضغط الانقباضي والانبساطي في التحليلات الأولية واستمر ارتباطه بزيادة خطر ارتفاع ضغط الدم حتى بعد ضبط العوامل المؤثرة الأخرى مثل عمر الأم ومؤشر كتلة الجسم قبل الحمل واستهلاك الكحول والمستوى التعليمي والولادة المبكرة.

في المقابل، لم يُظهر التعرض لدخان السجائر السلبي داخل المنزل خلال الحمل ارتباط واضح بارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال.

أبعاد صحية أوسع

تُعد هذه الدراسة من أكبر الدراسات الأمريكية متعددة المجموعات التي تناولت العلاقة بين التدخين أثناء الحمل وضغط الدم لدى الأطفال وشملت فئات عمرية صغيرة نسبياً ومن الجنسين مع استخدام مؤشر حيوي موضوعي للتعرض.

وتعزز النتائج الفرضية القائلة إن البيئة داخل الرحم تلعب دور أساسي في برمجة مخاطر الأمراض المزمنة لاحقاً وأن خفض معدلات التدخين أثناء الحمل قد يسهم في تقليل انتشار ارتفاع ضغط الدم بين الأطفال وبالتالي الحد من عبء أمراض القلب في المستقبل.