في عالم يتقدم فيه العمر بوتيرة سريعة، لم تعد شيخوخة الدماغ مجرد مسألة بيولوجية حتمية بل أصبحت مرتبطة إلى حد كبير بأسلوب الحياة اليومي، فبينما يزداد القلق من التدهور المعرفي والخرف، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن أنشطة بسيطة وممتعة مثل الرقص والقراءة وممارسة الفنون وحتى ألعاب الفيديو قد تلعب دوراً مهماً في الحفاظ على شباب الدماغ لفترة أطول.
أظهرت دراسات سابقة أن الانخراط في أنشطة إبداعية مثل الأشغال الفنية والعزف الموسيقي والرقص والقراءة والبستنة وألعاب الفيديو يساعد على دعم صحة الدماغ مع التقدم في السن. هذه الأنشطة لا تعتمد فقط على الترفيه، بل تحفّز الذاكرة والانتباه، والتنسيق الحركي وتجمع بين التفكير المعقد والتفاعل العاطفي والاجتماعي.
ويحذر خبراء علم النفس العصبي من أن تجاهل تحفيز الدماغ قد يسرّع من التراجع المعرفي خاصة في المجتمعات التي يزداد فيها متوسط العمر المتوقع، حيث يصبح عدد أكبر من الأشخاص عرضة لفقدان الذاكرة وضعف الاستقلالية.
أنشطة تحمي الدماغ مع التقدم في العمر
ضمن هذا السياق، تناولت دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة "Nature Communications" مفهوماً حديثًا يُعرف بـ"ساعات الدماغ"، ويعتمد هذا النهج على نماذج حسابية تحلل نشاط الدماغ الكهربائي لتقدير عمره البيولوجي ومقارنته بالعمر الزمني الحقيقي.
عند وجود فرق إيجابي أي أن يبدو الدماغ أصغر من العمر الحقيقي فهذا يشير إلى تباطؤ شيخوخة الدماغ، وقد استخدم الباحثون بيانات تصوير عصبي ونشاط كهربائي للدماغ من أكثر من 1400 مشارك من 13 دولة بعضهم محترفون في الرقص و الموسيقى والفنون البصرية وألعاب الفيديو الاستراتيجية.
أظهرت النتائج أن المشاركين ذوي الخبرة الطويلة في الأنشطة الإبداعية امتلكوا في المتوسط أدمغة "أصغر" من نظرائهم بنحو 4 إلى 7 سنوات، وبرز هذا التأثير بشكل خاص في المناطق الدماغية المسؤولة عن الانتباه واتخاذ القرار والتنسيق وهي مناطق معروفة بحساسيتها للتقدم في العمر.
اللافت أن الفائدة لم تقتصر على الخبراء فقط، بل ظهرت أيضاً لدى أشخاص مارسوا تدريباً مكثفاً قصير المدى مثل تعلّم لعبة فيديو استراتيجية معقدة لمدة 30 ساعة فقط حيث سُجّل تحسن ملحوظ في مؤشرات عمر الدماغ والانتباه.
قياس شيخوخة الدماغ
لا تقتصر الفوائد على الأنشطة الفنية وحدها، فقد بيّنت دراسات منشورة في Neurology (2021) وPNAS (2022) وJAMA Open (2023)، أن القراءة وحل الكلمات المتقاطعة وكتابة المذكرات وألعاب الطاولة مثل الشطرنج ترتبط بتأخير ظهور أعراض الزهايمر وتقليل خطر الخرف.
ويفسر العلماء ذلك بمفهوم "الاحتياطي المعرفي"، وهو قدرة الدماغ على تعويض التلف العصبي عبر شبكات معرفية بديلة، كلما زادت الخبرات الذهنية والاجتماعية عبر الحياة زادت قدرة الدماغ على الصمود أمام التغيرات المرتبطة بالعمر.
يرى مختصون في علم الأعصاب أن الإبداع لا يعني الموهبة الفذة، بل المحاولة والمشاركة، فحتى الأنشطة البسيطة التي تجمع بين التفكير والحركة والتفاعل الاجتماعي تساهم في تحفيز الدماغ.
كما تؤكد الأبحاث أن أفضل النتائج تتحقق عند دمج التحفيز الذهني مع نمط حياة صحي يشمل النشاط البدني والتواصل الاجتماعي، والتحكم في عوامل الخطر مثل التدخين وارتفاع ضغط الدم.