علماء يكشفون سر جلطات الدم النادرة المرتبطة بلقاحات كوفيد-19

كشف فريق دولي من الباحثين عن الآلية الجزيئية المحتملة وراء اضطراب نادر وخطير في تخثر الدم ظهر لدى عدد محدود جداً من الأشخاص بعد تلقي بعض لقاحات كوفيد-19 المعتمدة على الفيروسات الغدية، مثل لقاح استرازينيكا وجونسون آند جونسون، حيث نُشرت النتائج مؤخراً في مجلة"New England Journal of Medicine".

يُعد الاضطراب المعروف باسم "متلازمة نقص الصفيحات المناعي" والتخثر الناجم عن اللقاح (VITT) نادراً للغاية، إذ قدر حدوثه بحالة واحدة تقريباً لكل 200 ألف شخص تلقوا لقاح جونسون آند جونسون في الولايات المتحدة ونحو 3 حالات لكل 100 ألف شخص تلقوا لقاح أسترازينيكا في المملكة المتحدة، وذلك حسب ما ذكره موقع Nature.

لقاحات كوفيد-19الآثار الجانبية للقاحات كوفيد-19

ما الذي اكتشفه الباحثون؟

تشير الدراسة إلى أن الاضطراب لا يرتبط بفيروس كورونا نفسه، بل بناقل الفيروس الغدي المستخدم في بعض اللقاحات لنقل الشفرة الجينية الخاصة بجزءٍ من فيروس SARS-CoV-2 إلى الخلايا البشرية بهدف تحفيز الاستجابة المناعية.

في عام 2021، لاحظ العلماء أن الأجسام المضادة لدى المصابين بـ أي: متلازمة نقص الصفائح الدموية المناعي المصحوب بتجلط ناجم عن اللقاح (VITT) كانت تهاجم بروتيناً طبيعياً في الدم يعرف باسم عامل الصفائح الدموية 4 (PF4)، وهو بروتين يلعب دوراً أساسياً في عملية التخثر.

أما الدراسة الجديدة، فحددت ما وصفته بـ"المحفز الجزيئي" لهذه الظاهرة. ووفقاً للنتائج، فإن بعض الأشخاص الذين يحملون نوعاً جينياً معيناً، يعتقد أنه موجود لدى نسبة قد تصل إلى 60% من السكان، قد ينتجون أجساماً مضادة ضد بروتين في الفيروس الغدي يسمى pVII.

في الظروف الطبيعية، لا تسبب هذه الاستجابة أي مشكلة، لكن لدى مجموعة صغيرة جداً من الأشخاص توجد طفرة دقيقة في الخلايا المناعية المنتجة للأجسام المضادة، يتم فيها استبدال حمض أميني موجب الشحنة (الليسين) بآخر سالب الشحنة (حمض الجلوتاميك). 

هذا التغيير الكيميائي الطفيف يعيد تشكيل الجسم المضاد، بحيث يرتبط ببروتين PF4 بدلاً من بروتين الفيروس، وعند حدوث ذلك، قد يؤدي الارتباط غير الطبيعي إلى تنشيط عملية تخثر شديدة مصحوبة بانخفاض في الصفائح الدموية.

سلسلة أحداث نادرة

يؤكد الباحث المشارك توم جوردون، أخصائي علم الأمراض المناعية في جامعة فليندرز، أن المشكلة لم تكن في تصميم اللقاح بحد ذاته، بل في سلسلة من الأحداث غير المحتملة التي اجتمعت لدى فئة محدودة جداً من الأشخاص.

وقد شملت الدراسة تحليل عينات من 21 شخصاً أصيبوا بمتلازمة VITT، وتبين أن جميعهم يحملون الطفرة الجينية نفسها.

كما أظهرت تجارب مخبرية على الفئران أن تعديل الأجسام المضادة، ومنع هذا التغيير في الحمض الأميني، أدى إلى انخفاض واضح في تكون الجلطات.

متلازمة نقص الصفائح الدمويةمتلازمة نقص الصفائح الدموية

أهمية النتائج

رغم أن لقاحي أسترازينيكا وجونسون آند جونسون لم يعودا قيد الاستخدام على نطاق واسع، فإن هذه النتائج تفتح الباب أمام تحسين اللقاحات المستقبلية المعتمدة على الفيروسات الغدية، عبر تعديل أو استبدال بروتين pVII لتقليل احتمالات تحفيز استجابة مناعية غير مرغوبة.

من جهتها، وصفت ميرو شيل عالمة الأوبئة في جامعة سيدني، الدراسة بأنها مهمة وفي الوقت المناسب، مشددة على أن الآلية المكتشفة تبدو مرتبطة بناقل الفيروس الغدي وليس بفيروس SARS-CoV-2 نفسه.

وأكدت أن هذه النتائج لا تعني أن اللقاحات غير آمنة، مشيرة إلى أن لقاح أسترازينيكا أنقذ أرواحاً كثيرةً، وأن متلازمة التخثر تبقى نادرة للغاية مقارنة بالفوائد الكبيرة التي قدمتها اللقاحات في تقليل الوفيات والحالات الشديدة من كوفيد-19.

يبرز هذا الاكتشاف أهمية أنظمة المراقبة الدقيقة لسلامة اللقاحات بعد طرحها في الأسواق، وضرورة الشفافية العلمية في التعامل مع أي آثار جانبية غير معتادة، حتى وإن كانت نادرة جداً.

كما يمنح الباحثين هدفاً واضحاً لتحسين تصميم اللقاحات المعتمدة على الفيروسات الغدية في المستقبل، بما يعزز من مستويات الأمان ويقلل من احتمالات حدوث استجابات مناعية غير متوقعة.

وبينما تبقى حالات متلازمة نقص الصفائح الدموية المناعي المصحوب بتجلط ناجم عن اللقاح محدودة للغاية، فإن فهم أسبابها بدقة يمثل خطوة مهمة نحو تطوير لقاحاتٍ أكثرَ أماناً، وترسيخ الثقة في أدوات الصحة العامة التي لعبت دوراً حاسماً في مواجهة جائحة كوفيد-19.