تعاني كثير من النساء المصابات بتضخم الثدي (Macromastia) من آلام جسدية متعددة تمتد من الرقبة والكتفين إلى الظهر، لكن ما قد لا يحظى بالاهتمام الكافي هو الصداع المتكرر الذي يلازمهن لسنوات وغالباً ما يُصنَّف هذا الصداع على أنه "توتر عضلي" ناتج عن ثقل الثديين دون تحليل دقيق لخصائصه أو تصنيفه وفق المعايير العصبية المعتمدة.
تضخم الثدي لا يقتصر على زيادة الحجم فحسب، بل يرتبط بتغيرات هيكلية ووظيفية تشمل انحناء العمود الفقري الصدري وآلام جذعية رقبية واضطرابات في النوم والتنفس، كما قد تظهر علامات جسدية، مثل أخاديد الكتفين نتيجة ضغط حمالات الصدر والتهابات أسفل الثديين. هذه الأعراض تدفع كثير من النساء إلى التفكير في جراحة تصغير الثدي (reduction mammoplasty) بحثاً عن تخفيف المعاناة اليومية.
الصداع التوتري
رغم شيوع وصف الصداع لدى هذه الفئة بأنه "توتري" فإن الأوساط الطبية لم تعتمد سابقاً تقييم منهجي يستند إلى التصنيف الدولي لاضطرابات الصداع (ICHD-3). معظم الدراسات المنشورة حول آلام تضخم الثدي صدرت في مجلات جراحة التجميل مع اهتمام محدود من أطباء الأعصاب المتخصصين في الصداع.
وتشير تقارير سابقة إلى أن ما يصل إلى 89% من النساء المصابات بتضخم الثدي يعانين صداع قبل الجراحة لكن دون توصيف دقيق لنوعه أو شدته.
نُشرت دراسة رصدية حديثة تناولت خصائص الصداع لدى 34 امرأة مصابة بتضخم الثدي ويعانين صداعًا متكرراً وذلك في مجلة "Headache" في عام 2024، شملت المشاركات نساءً فوق 18 عاماً يعانين أربعة أيام صداع أو أكثر شهرياً قبل الخضوع لجراحة التصغير.
أظهرت النتائج أن 91% من المشاركات سجلن نتيجة إيجابية في اختبار تحري الصداع النصفي (ID-Migraine) وهو ما يتحدى الافتراض الشائع بأن الصداع في هذه الحالة توتري فقط، كما تبين أن متوسط عدد أيام الصداع شهرياً بلغ 13.4 يوماً مع درجة ألم متوسطة بلغت 6 من 10 ومستوى إعاقة مرتفع وفق مقياس MIDAS.
اللافت أن 42% من الحالات كانت ضمن نطاق الصداع النصفي المزمن، وهي نسبة تفوق المعدلات المعروفة في عموم المصابين بالصداع النصفي في الولايات المتحدة، كذلك ظهرت أعراض إنذارية لدى جميع المشاركات مثل طنين نابض؛ ما يشير إلى ضرورة تقييم عصبي دقيق قبل الجراحة.
إجراء جراحة تصغير الثدي
بعد جراحة تصغير الثدي سُجل تحسناً كبيراً إحصائياً في عدد أيام الصداع وشدته ودرجة الإعاقة إضافة إلى انخفاض أعراض فرط التحسس الجلدي (allodynia)، وتحسن خطر الإصابة بانقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، وقد استمر هذا التحسن حتى 28 شهراً بعد العملية.
نحو 79% من المشاركات حققن انخفاضاً بنسبة 50% أو أكثر في عدد أيام الصداع خلال الأشهر الأولى بعد الجراحة، وارتفعت النسبة إلى 89% في المتابعة الطويلة، كما عبّرت غالبية النساء عن رضاهن التام عن القرار الجراحي.
لا تزال الآليات الدقيقة التي تربط تضخم الثدي بالصداع غير محسومة، وتطرح الدراسة عدة فرضيات منها:
-تغيرات ميكانيكية في وضعية الرأس والرقبة تؤدي إلى إجهاد عصبي مزمن.
-تأثيرات التهابية أو هرمونية ناتجة عن النسيج الدهني في الثدي.
-اضطرابات النوم المرتبطة بضغط جدار الصدر.
كما لا يُستبعد أن يكون تضخم الثدي عامل مفاقم لصداع نصفي كامن لدى بعض النساء بدلاً من كونه سبب مستقل.
تشير المعطيات إلى أن تصنيف الصداع لدى النساء المصابات بتضخم الثدي يحتاج إلى مراجعة دقيقة، وأن التقييم العصبي المتخصص قد يكون ضرورياً قبل اتخاذ القرار الجراحي، فبينما لا يمكن اعتبار جراحة التصغير علاجاً مباشراً للصداع النصفي، فإن النتائج تفتح الباب أمام فهم أعمق للعلاقة بين العوامل الطرفية والآليات العصبية المركزية في تطور الألم المزمن لدى النساء.