لا يتوقف تأثير الإنفلونزا عند حدود الحمى وآلام الجسد واحتقان الحلق، بل قد يتجاوز ذلك في بعض الحالات ليصل إلى عضو حيوي هو القلب، ومع كل موسم شتاء تتجدد التحذيرات الطبية من مضاعفات الفيروس، خاصة لدى كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، إلا أن ما لا يدركه كثيرون هو أن الفيروس قد يُحدث تغيرات خفية داخل الجسم، قد لا تظهر أعراضها فوراً لكنها تترك أثراً طويل المدى على الصحة القلبية.
التهابات عضلة القلب بسبب العدوى الفيروسية
يشير أطباء القلب إلى أن العدوى الفيروسية عموماً قد تُسبب التهابات في عضلة القلب، أو تؤدي إلى اضطراب في نظم ضرباته، وهو ما يفسر زيادة معدلات الدخول إلى المستشفيات خلال مواسم انتشار الإنفلونزا. وتكمن الخطورة في أن بعض المرضى قد لا يربطون بين إصابتهم بنزلة برد شديدة وأعراض لاحقة، مثل ضيق التنفس أو الإرهاق غير المبرر أو تسارع النبض.
وتُظهر الملاحظات السريرية أن المرضى الذين يعانون ارتفاع ضغط الدم، أو تصلب الشرايين، أو السكري، يكونون أكثر عرضةً للتأثر بهذه المضاعفات، إذ يعمل الفيروس في بعض الأحيان عاملاً محفزاً، يكشف نقاط الضعف الصحية الكامنة.
عند دخول فيروس الإنفلونزا إلى الجهاز التنفسي، يبدأ الجهاز المناعي في إطلاق مجموعةٍ من الإشارات الدفاعية لمكافحته. هذه الاستجابة رغم أهميتها قد تتحول في بعض الحالات إلى سلاح ذي حدين، إذ يؤدي الإفراط فيها إلى التهابات تؤثر في أنسجة أخرى ومنها عضلة القلب.
ويؤكد مختصون في علم المناعة أن بعض الخلايا المناعية قد تنقل الفيروس، أو إشاراته الالتهابية، إلى أعضاء بعيدة، وهو ما يفسر ظهور مضاعفاتٍ خارج نطاق الرئتين.
عدوى الإنفلونزا الفيروسية
في هذا السياق، لفتت دراسة نُشرت في مجلة "Immunity" بتاريخ 9 فبراير، الانتباه إلى آلية خلوية محتملة تربط بين فيروسات الإنفلونزا من النوع A وتلف عضلة القلب. اعتمدت الدراسة التي أُجريت في "Icahn School of Medicine at Mount Sinai" على نماذج حيوانية وبيانات بشرية، وأشارت إلى أن مساراً مناعياً يُعرف بـ"إنترفيرون النوع الأول" قد يكون عاملاً رئيسياً في إحداث الضرر القلبي بعد العدوى الشديدة.
كما تناول الباحثون فكرة علاج تجريبي يعتمد على mRNA مُعدلٍ، يهدف إلى تهدئة هذا المسار الالتهابي دون تعطيل الاستجابة المناعية الكاملة، وهو ما اعتُبر خطوةً واعدةً على طريق تطوير وسائل وقائية مستقبلية، خاصةً في ظل غياب خيارات سريرية مباشرة تمنع هذا النوع من التلف القلبي حتى الآن.
من نزلة برد إلى خطر صامت
تُقدَّر الإصابات السنوية بفيروسات الإنفلونزا حول العالم بنحو مليار حالة معظمها يمر بسلام إلا أن نسبة محدودة قد تتحول إلى حالات شديدة خاصة إذا وصل الفيروس إلى أنسجة القلب. وتشير بيانات طبية إلى أن عدداً كبيراً من الوفيات المرتبطة بالإنفلونزا يكون لدى أصحاب أمراض قلبية سابقة؛ ما يجعل الوقاية والتطعيم الموسمي عنصرين أساسيين في تقليل المخاطر.
في ضوء هذه المعطيات، لم تعد الإنفلونزا مجرد مرض موسمي عابر، بل حالة صحية تستحق المتابعة الدقيقة، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة مع ضرورة الانتباه إلى الأعراض غير المعتادة بعد التعافي إذ قد يكون القلب قد تأثر بصمت.