أصبح ضعف الانتصاب المرتبط بأمراض الأوعية الدموية أحد أكثر الاضطرابات الجنسية شيوعاً لدى الرجال ولم يعد يُنظر إليه كمشكلة موضعية تخص الأداء الجنسي فقط، بل كمرآة لصحة الأوعية الدموية والتمثيل الغذائي والجهاز المناعي، فمع تزايد معدلات السمنة والسكري وأمراض القلب تتضح العلاقة الوثيقة بين الالتهاب المزمن وتراجع القدرة الانتصابية.
تأثير السمنة على الانتصاب
يعتمد الانتصاب الطبيعي على سلامة بطانة الأوعية الدموية وقدرتها على إنتاج أكسيد النيتريك، وهو المركب الأساسي المسؤول عن ارتخاء العضلات الملساء وزيادة تدفق الدم داخل الأجسام الكهفية.
لكن في حالات السمنة والسكري وتصلب الشرايين تتعرض هذه البطانة لتلف مزمن؛ ما يؤدي إلى انخفاض إنتاج أكسيد النيتريك وارتفاع الإجهاد التأكسدي وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة الانتصابية.
وتشير الأبحاث إلى أن ضعف الانتصاب غالباً ما يسبق أمراض القلب بـ3 سنوات، ما يجعله علامة إنذارية مبكرة لخلل الأوعية الدموية، بحسب تقرير "Oxford academic" المنشور في أبريل عام 2024.
تلعب المناعة الفطرية دوراً محورياً في تطور ضعف الانتصاب الوعائي؛ إذ تؤدي الجزيئات الدهنية المؤكسدة إلى تنشيط الخلايا البلعمية وإطلاق سيل من السيتوكينات الالتهابية مثل TNF-α وIL-6. هذه العملية تؤدي إلى مزيد من تلف البطانة الوعائية وزيادة انقباض العضلات الملساء بدلاً من ارتخائها.
كما تبرز مستقبلات Toll-like receptors كحلقة وصل بين اضطراب التمثيل الغذائي والالتهاب المناعي، حيث يؤدي تنشيطها في حالات السمنة والسكري إلى تفاقم الخلل الوعائي والهرموني بما في ذلك انخفاض إنتاج التستوستيرون.
انخفاض هرمون التستوستيرون
تُعد مثبطات إنزيم PDE5 العلاج الأول لضعف الانتصاب، لكنها تُستخدم كعلاج عرضي وليس شافياً ولا يستجيب لها عدد كبير من المرضى خصوصاً المصابين بالسكري واضطرابات الأوعية الدموية، هذا القصور فتح الباب أمام البحث عن استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف جذور المرض وليس أعراضه فقط.
تسلط دراسة نُشرت عام 2021 الضوء على إمكانات العلاج المناعي في التعامل مع ضعف الانتصاب ومرض بيروني من خلال استهداف الالتهاب والإجهاد التأكسدي.
وأظهرت التجارب قبل السريرية أن المواد المضادة للالتهاب ومضادات الأكسدة إلى جانب الخلايا الجذعية ومشتقات الصفائح الدموية يمكن أن تحسن وظيفة القضيب وتقلل التليف.
وتشير الدراسة، المنشورة في مجلات علمية مثل"Nature Reviews Urology وThe Journal of Sexual Medicine" إلى أن الخلايا الجذعية تعمل عبر إفراز عوامل نمو تُحفز ترميم الأنسجة وتحسين التروية الدموية حتى بعد اختفائها من موضع الحقن.
برزت المركبات النباتية الغنية بالبوليفينولات مثل الريسفيراترول والرمان كعوامل مساعدة في تحسين وظيفة الأوعية الدموية وتقليل الالتهاب. هذه المركبات أظهرت قدرة على خفض الجذور الحرة، وتحسين استجابة الأنسجة الكهفية في عضو الرجل، لكنها لا تزال بحاجة إلى تجارب سريرية واسعة لتأكيد فعاليتها.
يمثل مرض بيروني نموذجاً آخر لاضطراب جنسي تحركه المناعة، حيث يؤدي الالتهاب المزمن وتنشيط TGF-β إلى تراكم النسيج الليفي وتشوه القضيب.
وتكشف الأبحاث عن وجود خلايا مناعية متعددة داخل النسيج المصاب، ما يعزز فكرة أن التحكم في الاستجابة المناعية قد يكون مفتاحاً للعلاج في المراحل المبكرة.
تعكس الاتجاهات البحثية الحديثة تحولاً نحو فهم جيني ومناعي أعمق لضعف الانتصاب، بما يسمح بتصميم علاجات مخصصة لكل مريض وفق حالته الالتهابية والوعائية وهو ما قد يغير مستقبل التعامل مع هذا الاضطراب الشائع.