هل يبدأ القلق من معدة طفلك؟ تأثير ميكروبيوم الأمعاء على النفسية

لم تعد صحة الطفل النفسية تُفهم اليوم بمعزل عن جسده، فخلال السنوات الأولى من الحياة تتشكل منظومات حيوية معقدة داخل الجسم من أبرزها ميكروبيوم الأمعاء الذي بات يُنظر إليه بوصفه لاعباً أساسياً في التطور العصبي والانفعالي، ومع ازدياد القلق والاكتئاب بين الأطفال والمراهقين يتجه الباحثون إلى جذور أبكر بكثير مما كنا نتصور. 

الأمعاء أكثر من جهاز هضمي

تحتوي أمعاء الطفل على تريليونات من البكتيريا التي تبدأ في التكوّن منذ الولادة وتتغير سريعاً خلال أول عامين. هذه "البيئة الداخلية" لا تكتفي بهضم الطعام بل تُنتج مركبات كيميائية نشطة تؤثر في الجهاز المناعي والهرمونات بل وحتى في الدماغ.

ويؤكد علماء الأعصاب أن السنوات الأولى تمثل فترة حساسة يتطور فيها الدماغ والميكروبيوم في آن واحد ما يجعل أي تفاعل بينهما ذا أثر طويل الأمد.

8 علامات تنذر بفرط النمو البكتيري في الأمعاء الدقيقةتأثير صحة الجهاز الهضمي على الجهاز المناعي 

إشارات مبكرة للصحة العاطفية

في دراسة نُشرت أكتوبر 2025 في مجلة "Nature Communications"، تابع الباحثون أطفالاً منذ الولادة حتى سن المدرسة وربطوا بين تركيبة بكتيريا الأمعاء في عمر السنتين وظهور أعراض نفسية بعد سنوات.

وُجد أن الأطفال الذين امتلكوا نسباً أعلى من مجموعات بكتيرية معينة كانوا أكثر عرضة لاحقاً لمشاعر الانسحاب والقلق والحزن، هذه النتائج لا تعني أن البكتيريا تسبب الاضطرابات النفسية، لكنها تكشف ارتباطاً مهماً يستحق الانتباه.

كيف تتواصل الأمعاء مع الدماغ؟

تعمل الأمعاء كـ"مطبخ كيميائي" ضخم تنتج أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة وناقلات عصبية وهرمونات قادرة على التأثير في نمو الدماغ ووظائفه، بعض هذه المواد يعبر الحاجز الدموي الدماغي، والبعض الآخر يرسل إشارات عبر الأعصاب أو الجهاز المناعي.

وقد أظهرت صور الدماغ لدى الأطفال تغيّرات في مناطق مرتبطة بتنظيم العاطفة مثل اللوزة الدماغية لدى من اختلفت لديهم تركيبة الميكروبيوم مبكراً.

بكتيريا الأمعاء تكافح سرطان القولون والمستقيمبكتيريا الأمعاء وعلاقتها بالنفسية 

القلق يؤثر في الأمعاء

الاتصال بين الدماغ والأمعاء ليس طريقاً باتجاه واحد، فالضغط النفسي والخوف يمكن أن يظهرا في صورة آلام بطن متكررة أو اضطرابات هضمية لدى الأطفال؛ لذلك ينبه الخبراء إلى أن الشكاوى الجسدية غير المبررة قد تكون انعكاساً لتوتر نفسي وليس مجرد مشكلة هضمية، مع التأكيد على أهمية التقييم الطبي عند اللزوم.

5 خطوات لبناء ميكروبيوم متوازن

رغم أن العلم لم يصل بعد إلى تحديد "البكتيريا المثالية"، فإن بناء بيئة معوية متوازنة يظل هدفاً واقعياً، يمكن أن يحدث عن طريق: 

1-الرضاعة الطبيعية: حليب الأم يحتوي على سكريات تغذي البكتيريا النافعة، ويُعد عاملاً مهماً في تشكيل ميكروبيوم صحي.

2-تنويع الغذاء: إدخال الفواكه والخضروات الغنية بالألياف مبكراً يعزز التنوع البكتيري.

3-اللعب في الهواء الطلق: التعرض للطبيعة واللعب في الخارج يرتبط بانخفاض التوتر وتحسن صحة الأمعاء.

4-تقليل الأطعمة فائقة المعالجة: الأنظمة الغذائية الغنية بالسكر والمنتجات المصنعة ارتبطت بتغيرات بكتيرية مرتبطة باضطرابات المزاج.

5-الحذر من المكملات: لا يوجد حتى الآن بروبيوتيك "سحري" يناسب جميع الأطفال.

الصحة النفسية صورة أكبر

يشدد الباحثون على أن ميكروبيوم الأمعاء جزء من لغز كبير يشمل التربية والبيئة والعلاقات ونمذجة مهارات التكيف. هذا الجزء قد يفتح آفاقاً جديدة للوقاية المبكرة لكنه لا يغني عن الأسس المعروفة لدعم صحة الطفل النفسية.