أصبحت الهواتف الذكية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين، لكنها في الوقت نفسه تثير قلقاً متزايداً بين الخبراء حول تأثيرها طويل المدى على الصحة النفسية. فبينما تُسوَّق هذه الأجهزة كوسيلة للتعلم والتواصل، تشير أبحاث حديثة إلى أن امتلاك الهاتف الذكي في سن مبكرة قد يحمل عواقب أعمق مما كان يُعتقد سابقاً.
خلال العقدين الماضيين، أعادت الهواتف الذكية تشكيل طريقة تفاعل الأطفال مع العالم، من تكوين الصداقات إلى بناء الهوية الشخصية. ومع انخفاض متوسط سن امتلاك الهاتف الذكي عالمياً، بات كثير من الأطفال يقضون ساعات طويلة يومياً أمام الشاشات، في ظل ضعف الرقابة على الحد الأدنى للعمر المسموح به لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي.
تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال
في سياق تحليل هذه الظاهرة، كشفت دراسة عالمية واسعة نُشرت عام 2025 في Journal of Human Development and Capabilities أن امتلاك الهاتف الذكي قبل سن 13 عاماً يرتبط بتدهور ملحوظ في الصحة النفسية خلال مرحلة الشباب، الدراسة اعتمدت على بيانات أكثر من 100 ألف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً، وأظهرت أن من حصلوا على هواتفهم في سن مبكرة كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن أفكار انتحارية، وسلوك عدواني وانفصال عن الواقع وضعف في تقدير الذات وتنظيم المشاعر.
تشير نتائج الدراسة إلى أن جزءاً كبيراً من هذا التأثير السلبي يعود إلى الوصول المبكر لمنصات التواصل الاجتماعي، وما يرتبط به من تنمر إلكتروني و اضطراب النوم وتراجع جودة العلاقات الأسرية. هذه العوامل مجتمعة تُسهم في ظهور أعراض نفسية غير تقليدية قد لا ترصدها أدوات التشخيص المعتادة، لكنها تحمل آثاراً اجتماعية خطيرة مع انتشارها بين الأجيال الأصغر.
أوضحت البيانات أن الفتيات اللواتي امتلكن هواتف ذكية في سن مبكرة أظهرن تراجعاً في صورة الذات والثقة والمرونة العاطفية، بينما ارتبط الأمر لدى الذكور بانخفاض الاستقرار النفسي والهدوء والتعاطف. كما أظهرت النتائج أن درجة التدهور النفسي تزداد كلما كان عمر الطفل أصغر عند حصوله على الهاتف.
اضطراب النوم لدى الأطفال بسبب الهاتف الذكي
اعتمد الباحثون في تحليلهم على أداة تقييم تُعرف باسم (Mind Health Quotient - MHQ) تقيس الجوانب الاجتماعية والعاطفية والمعرفية والبدنية. وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين امتلكوا هواتف ذكية في سن الخامسة سجلوا أدنى مستويات الصحة الذهنية مقارنة بمن حصلوا عليها في سن 13؛ ما يشير إلى وجود مرحلة نمو حرجة يكون فيها الدماغ أكثر هشاشة أمام البيئات الرقمية.
رغم أن الدراسة لا تثبت علاقة سببية مباشرة، إلا أن اتساع حجم البيانات واتساق النتائج عبر ثقافات ودول مختلفة دفع الباحثين للمطالبة باتباع نهج وقائي. وتشمل التوصيات فرض تعليم إلزامي للثقافة الرقمية والصحة النفسية، وتشديد الرقابة على التزام منصات التواصل بالحدود العمرية، وتقييد الوصول التدريجي للهواتف الذكية للأطفال على غرار السياسات المتبعة مع الكحول والتبغ.
على المستوى الدولي، بدأت بعض الدول في تقييد استخدام الهواتف داخل المدارس مثل فرنسا وهولندا وإيطاليا ونيوزيلندا، مع تسجيل تحسن في تركيز الطلاب في بعض التجارب. إلا أن الخبراء يؤكدون أن هذه الخطوات وحدها غير كافية ما لم تُستكمل بسياسات شاملة تحمي الأطفال في المراحل المبكرة من النمو.