تتزايد الأدلة العلمية على أن الصحة النفسية لا تتشكل فقط بعد الولادة أو خلال الطفولة، بل تبدأ جذورها في مرحلة مبكرة جدًا من الحياة، وتحديداً خلال الحمل. فالتجارب والظروف التي يتعرض لها الجنين داخل الرحم قد تترك بصمات طويلة الأمد على نمو الدماغ والسلوك النفسي في مراحل لاحقة من العمر.
مضاعفات الحمل
تشير "الصعوبات قبل الولادة" إلى مجموعة من العوامل السلبية التي قد يتعرض لها الجنين، مثل الحمل غير المخطط له، أو تعرض الأم للتدخين في بداية الحمل، أو حدوث مضاعفات أثناء الحمل أو الولادة. وغالباً ما لا تحدث هذه العوامل بشكل منفصل بل تتداخل وتتراكم؛ ما يزيد من تعقيد تأثيرها على نمو الطفل.
تطور دماغ الجنين
مرحلة الحمل تمثل فترة حاسمة لتشكل الدماغ؛ حيث تتكون الشبكات العصبية الأساسية التي ستؤثر لاحقاً على الانتباه والانفعالات والقدرة على التكيف النفسي. فأي خلل أو ضغط خلال هذه المرحلة قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ"البرمجة الجنينية"؛ وهي تغييرات بيولوجية طويلة الأمد في بنية الدماغ ووظيفته.
في هذا الإطار، جاءت دراسة واسعة أُجريت عام 2025 لتسلط الضوء على العلاقة بين تراكم الصعوبات قبل الولادة ومخاطر الاضطرابات النفسية لدى المراهقين.
اعتمدت الدراسة على بيانات المتابعة لمدة 4 سنوات ضمن مشروع بحثي كبير شمل أكثر من 8,500 طفل جرى تتبعهم منذ أواخر الطفولة وحتى منتصف مرحلة المراهقة، مع الاستعانة بتقييمات نفسية سنوية وصور رنين مغناطيسي للدماغ.
علاقة واضحة لصعوبات قبل الولادة والاضطرابات النفسية
أظهرت النتائج أن التعرض لعدد أكبر من الصعوبات قبل الولادة ارتبط بزيادة مستمرة وتدريجية في خطر الإصابة باضطرابات نفسية ذات دلالة سريرية. فكلما زاد عدد هذه العوامل، ارتفعت احتمالات ظهور مشكلات نفسية عامة مثل القلق والاكتئاب واضطرابات السلوك. وبدت هذه العلاقة "جرعية"؛ أي أن الخطر يتضاعف مع كل عامل إضافي.
اختلاف مسار الأعراض مع التقدم في العمر
لاحظ الباحثون أن بعض الأعراض النفسية لا تسلك المسار نفسه بمرور الوقت؛ فعلى سبيل المثال، تراجعت قوة الارتباط بين الصعوبات قبل الولادة وأعراض فرط الحركة وتشتت الانتباه مع التقدم في السن، بينما ازداد الارتباط مع الأعراض الاكتئابية خلال المراهقة؛ ما يشير إلى أن تأثير التعرض المبكر قد يتغير شكله مع نضج الدماغ.
لم تقتصر النتائج على التقييمات النفسية، بل أظهرت صور الدماغ أن المراهقين الذين تعرضوا لعدد أكبر من الصعوبات قبل الولادة شهدوا تسارعاً في ترقق القشرة الدماغية المرتبط بالعمر في مناطق واسعة من الدماغ. ويُعد هذا الترقق مؤشراً على نضج الدماغ، إلا أن تسارعه بشكل غير طبيعي قد يعكس مساراً نمائياً مختلفاً يرتبط بالمخاطر النفسية.
مقارنة الأشقاء تعزز قوة النتائج
أجرى الباحثون مقارنات داخل العائلة نفسها بين أشقاء تعرضوا لمستويات مختلفة من الصعوبات قبل الولادة لتعزيز مصداقية النتائج. وأظهرت هذه المقارنات أن الأشقاء الأكثر تعرضاً كانت لديهم معدلات أعلى من المشكلات النفسية، وتسارعاً أوضح في التغيرات القشرية الدماغية؛ ما يقلل من احتمال أن تكون النتائج ناتجة عن عوامل وراثية أو بيئية مشتركة فقط.دلالات للصحة النفسية الوقائية
تسلط هذه النتائج الضوء على أهمية الاكتشاف المبكر للأطفال المعرضين للخطر، والمتابعة طويلة الأمد، وتطوير استراتيجيات وقائية تراعي النمو العصبي منذ المراحل الأولى للحياة. كما تعزز فكرة أن دعم صحة الأم خلال الحمل لا ينعكس فقط على الولادة، بل يمتد أثره إلى الصحة النفسية للأبناء عبر مسار الحياة.