أصبح ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال ظاهرة صحية متنامية حول العالم، مع ما يحمله من تبعات طويلة الأمد على القلب والكلى والأوعية الدموية. ولم يعد هذا الاضطراب مقصوراً على البالغين؛ إذ تشير الأدلة إلى أن جذوره قد تبدأ في مراحل مبكرة جداً من الحياة، وربما قبل الولادة نفسها متأثراً بعوامل بيئية تحيط بالأم والطفل.
خلال العقدين الماضيين، ارتفعت معدلات ارتفاع ضغط الدم بين الأطفال بنحو 80%، لا سيما في الدول التي ترتفع فيها معدلات السمنة. ويثير هذا الاتجاه القلق؛ لأن الأطفال المصابين بارتفاع ضغط الدم يكونون أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب لاحقاً في حياتهم، هذا الواقع دفع الباحثين إلى البحث عن عوامل مبكرة قد تسهم في زيادة الخطر ومن بينها "تلوث الهواء".
ارتفاع معدلات السمنة لدى الأطفال
يُعد تلوث الهواء الخارجي -خاصة الجسيمات الدقيقة جداً المعروفة باسم (PM2.5) وغاز ثاني أكسيد النيتروجين (NO₂)- من أكثر الملوثات انتشاراً في البيئات الحضرية. وتصدر هذه الملوثات عن عوادم المركبات ومحطات توليد الطاقة والأنشطة الصناعية. ورغم ثبوت ارتباطها بأمراض القلب لدى البالغين، ظل تأثيرها على ضغط الدم لدى الأطفال غير واضح تماماً.
في هذا الإطار، تناولت دراسة أُجريت عام 2024 ضمن برنامج (ECHO) الممول من "المعاهد الوطنية للصحة" في الولايات المتحدة، العلاقة بين التعرض المبكر لتلوث الهواء وضغط الدم لدى الأطفال. اعتمدت الدراسة على بيانات متعددة المواقع داخل الولايات المتحدة؛ ما أتاح رؤية أوسع وأكثر دقة مقارنة بدراسات سابقة محدودة النطاق.
كيف أُجريت المتابعة؟
حلل الباحثون بيانات 4,863 طفلاً (تتراوح أعمارهم بين 5 و12 عاماً) ينتمون إلى 20 مجموعة بحثية مختلفة. وتم تقدير مستويات تعرض الأمهات لتلوث الهواء في عناوين سكنهن خلال كل مرحلة من مراحل الحمل، إضافة إلى التعرض خلال أول عامين من حياة الطفل. لاحقاً، جرى قياس ضغط دم الأطفال ومقارنته بالقيم الطبيعية حسب العمر والجنس والطول.
نتائج رئيسية تكشف دور التوقيت
أظهرت النتائج أن الأطفال الذين تعرضوا لمستويات أعلى من (PM2.5) قبل الولادة وبعدها، كانوا أكثر ميلاً لارتفاع ضغط الدم خلال الطفولة. وبرزت الأشهر الأولى من الحمل بوصفها فترة حساسة بشكل خاص؛ إذ ارتبط التعرض المرتفع للجسيمات الدقيقة في الثلث الأول من الحمل بارتفاع أوضح في "ضغط الدم الانقباضي"، وزيادة احتمال الإصابة بارتفاع ضغط الدم لاحقاً.
علاقة أمراض القلب عند الأطفال بالسمنة
في المقابل، كشفت الدراسة عن نتائج غير متوقعة تتعلق بـ"ثاني أكسيد النيتروجين"؛ حيث ارتبط التعرض المرتفع له خلال الحمل بانخفاض طفيف في ضغط الدم لدى الأطفال دون زيادة خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم. وكان هذا الارتباط أوضح في منتصف الحمل؛ ما يشير إلى تعقيد العلاقة بين أنواع الملوثات المختلفة وصحة القلب لدى الأطفال.
لماذا يهمنا توقيت التعرض؟
تشير هذه النتائج إلى أن توقيت التعرض لتلوث الهواء قد يكون عاملاً حاسماً في تحديد تأثيره على الجهاز القلبي الوعائي للطفل. فالتعرض خلال فترات نمو حرجة -مثل بدايات الحمل- قد يترك آثاراً بيولوجية طويلة الأمد، حتى عند مستويات تلوث تُعد منخفضة نسبياً.
دلالات للصحة العامة
تدعم هذه المعطيات الدعوات إلى تشديد سياسات الحد من تلوث الهواء، ليس فقط لحماية البالغين، بل أيضاً لحماية الأجنة والأطفال في مراحل النمو المبكرة، كما تؤكد أهمية دمج العوامل البيئية في استراتيجيات الوقاية من أمراض القلب منذ الطفولة.