يُعد سكري الحمل من أكثر اضطرابات الحمل شيوعاً في العالم، ويتميز بارتفاع مستويات السكر في الدم خلال فترة الحمل ما يعرّض الأم والجنين لمخاطر صحية قصيرة وطويلة الأمد، ومع استمرار ارتفاع معدلات الإصابة عالمياً تتزايد الحاجة إلى حلول وقائية فعّالة يمكن تطبيقها على نطاق واسع ضمن رعاية الحوامل.
أهمية التغذية السليمة أثناء الحمل
لا تقتصر تداعيات سكري الحمل على فترة الحمل فقط، بل تمتد آثارها إلى ما بعد الولادة. فالإصابة بهذه الحالة تزيد من احتمالات الولادة المبكرة وتسمم الحمل وحتى ولادة الجنين ميتًا في الحالات الشديدة. وعلى المدى البعيد ترتفع مخاطر الإصابة بالسمنة ومرض السكري من النوع الثاني وأمراض القلب لدى كل من الأم والطفل.
رغم وضوح دور نمط الحياة الصحي في الوقاية من السكري من النوع الثاني ظل تأثير التمارين الرياضية والنظام الغذائي في الوقاية من سكري الحمل غير محسوم لسنوات. هذا الغموض جعل صانعي السياسات الصحية يفتقرون إلى الأدلة القوية اللازمة لتبني برامج وقائية فعالة للحوامل.
في هذا الإطار، جاءت دراسة واسعة أُجريت عام 2024 ونُشرت في مجلة "The BMJ" لتقدم أوضح الأدلة حتى الآن. قادت جامعة ليفربول في إنجلترا الدراسة بمشاركة باحثين دوليين، واعتمدت على تحليل بيانات أكثر من 100 تجربة عشوائية شملت قرابة 36 ألف امرأة حامل، ما يجعلها من أكبر الدراسات من نوعها في هذا المجال.
أظهرت النتائج أن التدخلات القائمة على نمط الحياة خلال الحمل تقلل بشكل ملموس من خطر الإصابة بسكري الحمل. وتبيّن أن التمارين الرياضية كانت العنصر الأكثر فاعلية خاصة الأنشطة المعتدلة مثل المشي، والتمارين الهوائية، وتمارين القوة والسباحة، كما لوحظ أن البرامج التي تُقدَّم في مجموعات ويقودها مدربون مدربون حديثاً حققت نتائج أفضل مقارنة بالأساليب الفردية التقليدية.
التمارين الرياضية أثناء الحمل
يرى الباحثون أن فترة الحمل تمثل نافذة فريدة للتدخل الصحي، حيث تكون النساء أكثر استعداداً لتبني سلوكيات إيجابية تعود بالنفع عليهن وعلى أطفالهن، فالدعم المقدم خلال هذه المرحلة لا ينعكس فقط على نتائج الحمل، بل يؤسس لصحة أفضل على المدى الطويل.
ورغم الفوائد العامة، كشفت الدراسة أن النساء ذوات المستويات التعليمية الأقل استفدن بدرجة أقل من برامج نمط الحياة. ويشير ذلك إلى وجود فجوة في الوصول أو التفاعل مع هذه التدخلات، ما يسلط الضوء على الحاجة إلى تصميم برامج أكثر ملاءمة لمختلف الخلفيات الاجتماعية والتعليمية.
تشير النتائج إلى أهمية دمج التمارين الرياضية والتوجيه الغذائي ضمن الرعاية الروتينية للحمل، بدلاً من اعتبارها تدخلات اختيارية، كما تدعو إلى تطوير استراتيجيات مخصصة، وربما مدعومة بالتكنولوجيا لضمان وصول هذه البرامج إلى جميع النساء بشكل عادل وفعّال.
طمأنت الدراسة إلى عدم رصد أي آثار سلبية مرتبطة بهذه التدخلات، ما يعزز من أمان التوصية بالنشاط البدني و التغذية الصحية خلال الحمل، مع التأكيد على أهمية استشارة الطبيب أو القابلة عند وجود أي مخاوف صحية.