دراسة: قوة العضلات قد تحمي النساء المسنات من خطر الوفاة

مع التقدم في العمر تتراجع القدرات البدنية تدريجياً ويزداد خطر الإصابة بالأمراض المزمنة والوفاة، وبينما ركزت التوصيات الصحية لعقود على أهمية النشاط الهوائي مثل المشي السريع تتجه الأنظار اليوم إلى عامل آخر قد يكون حاسمًا في الشيخوخة الصحية: قوة العضلات.

قوة العضلات لم تعد مجرد مؤشر على اللياقة بل أصبحت تُعد علامة على "المرونة البيولوجية" التي تساعد كبار السن على الحفاظ على استقلالهم الوظيفي وتجنب السقوط وتقليل الحاجة إلى دخول المستشفيات.

النشاط البدني المنتظم لتحسين الذاكرةالنشاط البدني المنتظم

ما الذي تقوله الإرشادات الصحية؟

تشير الإرشادات الأمريكية للنشاط البدني وكذلك بيان علمي صادر عن American Heart Association عام 2024، إلى أهمية ممارسة تمارين تقوية العضلات مرتين أسبوعيًا على الأقل إلى جانب النشاط الهوائي لما لها من فوائد جهازية ووظيفية.

لكن السؤال ظل مطروحاً: هل ترتبط قوة العضلات فعلاً بانخفاض خطر الوفاة بشكل مستقل عن مستوى النشاط البدني أو اللياقة القلبية التنفسية؟

دراسة طويلة المدى تجيب

نُشرت دراسة واسعة في مجلة JAMA Network Open في عام 2024، تابعت 5472 امرأة تتراوح أعمارهن بين 63 و99 عاماً ضمن مشروع بحثي مرتبط بمبادرة Women’s Health Initiative.

استمرت المتابعة نحو 8 سنوات في المتوسط وخلالها سُجلت 1964 حالة وفاة، اعتمد الباحثون على اختبارين بسيطين وشائعين لقياس قوة العضلات:

  1. قوة قبضة اليد باستخدام جهاز ديناموميتر
  2. اختبار النهوض من الكرسي خمس مرات دون مساعدة، وقياس الزمن المستغرق

كما تم قياس النشاط البدني والجلوس باستخدام أجهزة تسارع تُرتدى لمدة 7 أيام بدلاً من الاكتفاء بالاستبيانات الذاتية ما أتاح تقييماً أدق للحركة اليومية والخمول.

كيف تمارس رياضة المشي المتقطع لإنقاص الوزن؟رياضى المشي

نتائج لافتة: كلما زادت القوة قلّ الخطر

أظهرت النتائج وجود علاقة عكسية واضحة بين قوة العضلات وخطر الوفاة، النساء في أعلى ربع من قوة قبضة اليد كنّ أقل عرضة للوفاة بنسبة تصل إلى 33% مقارنة بمن في أدنى ربع حتى بعد ضبط العمر والوزن والتدخين والأمراض المزمنة وضغط الدم ومستوى التعليم والحالة الصحية العامة.

واللافت أن هذه العلاقة استمرت حتى بعد إدخال متغيرات مهمة في التحليل مثل:

  • الوقت اليومي الذي تقضيه المشاركات في الجلوس
  • دقائق النشاط البدني المتوسط إلى الشديد
  • سرعة المشي (كمؤشر على اللياقة القلبية التنفسية)
  • مستوى الالتهاب الجهازي المقاس ببروتين C التفاعلي

بمعنى آخر لم تكن قوة العضلات مجرد انعكاس لكون المرأة أكثر نشاطاً بل بدت عامل مستقل يرتبط بطول العمر.

حتى مع قلة النشاط الهوائي

من النتائج المهمة أن انخفاض خطر الوفاة المرتبط بقوة القبضة ظهر أيضًا لدى النساء اللاتي لم يحققن الحد الأدنى الموصى به من النشاط الهوائي (150 دقيقة أسبوعيًا)، أي أن الحفاظ على قوة العضلات قد يوفر حماية حتى لمن لا يستطعن ممارسة تمارين هوائية منتظمة بسبب مشكلات صحية أو قيود حركية.

كما بقيت العلاقة قائمة حتى بعد استبعاد الوفيات المبكرة خلال السنوات الأولى من المتابعة ما يقلل احتمال أن تكون النتائج ناتجة عن أمراض كامنة سببت ضعف العضلات قبل الوفاة.

لماذا قد تكون القوة مهمة إلى هذا الحد؟

مع التقدم في العمر يؤدي الالتهاب المزمن إلى تدهور الكتلة العضلية ووظيفتها، لكن الدراسة أظهرت أن تأثير قوة العضلات على البقاء لا يُفسَّر بالكامل بالالتهاب ما يشير إلى وجود آليات إضافية مثل تحسين التوازن والقدرة على الحركة وتحمل الضغوط الجسدية.

كما لاحظ الباحثون أن قوة قبضة اليد كانت مؤشر أكثر ثباتاً من اختبار النهوض من الكرسي ما قد يجعلها أداة عملية وسريعة في العيادات لتقييم المخاطر الصحية.

أداة بسيطة في العيادة وتأثير محتمل كبير

قياس قوة القبضة لا يستغرق سوى دقائق ولا يتطلب تجهيزات معقدة لكنه قد يوفر معلومات قيّمة عن صحة المرأة المسنة ومخاطرها المستقبلية.

وتشير النتائج إلى أن تعزيز تمارين تقوية العضلات سواء باستخدام الأوزان الخفيفة أو المطاطات المقاومة أو تمارين وزن الجسم قد يكون عنصر أساسي في استراتيجيات الشيخوخة الصحية إلى جانب المشي والنشاط الهوائي.

في ظل التوقعات بأن النساء فوق 75 عاماً سيصبحن أكبر شريحة عمرية بحلول عام 2050 يبدو أن الاستثمار في قوة العضلات ليس مجرد خيار لياقي بل خطوة وقائية قد تُحدث فرق حقيقي في فرص البقاء وجودة الحياة.