يعاني كثير من مرضى الأورام خلال رحلة العلاج من مشكلات في التركيز والذاكرة وهي حالة تُعرف طبياً باسم الضعف الإدراكي المرتبط بالورم، وتظهر هذه المشكلة لدى نسبة كبيرة من المرضى أثناء العلاج الكيميائي وقد تستمر أحياناً لسنوات بعد انتهاء العلاج ما يؤثر في قدرتهم على أداء الأنشطة اليومية والالتزام بالخطة العلاجية.
وتشمل هذه الأعراض صعوبة التركيز وضعف الذاكرة اللفظية وبطء معالجة المعلومات إضافة إلى تراجع القدرة على التخطيط واتخاذ القرار، كما ترتبط غالبًا بحالة من الإرهاق الذهني ما يجعل المهام اليومية البسيطة مثل إدارة الأدوية أو قيادة السيارة أو التسوق أكثر صعوبة.
مشكلات التركيز والذاكرة
يشير الباحثون إلى أن العلاج الكيميائي قد يؤثر في وظائف الدماغ عبر آليات بيولوجية متعددة أبرزها التأثير في الجهاز المناعي، إذ يمكن أن يؤدي العلاج إلى اضطراب التوازن بين الاستجابات الالتهابية والمضادة للالتهاب في الجسم وهو ما يخلق حالة التهابية مستمرة قد تؤثر في الجهاز العصبي.
وترتبط هذه الحالة بتغيرات في مجموعة من المؤشرات المناعية مثل السيتوكينات وهي بروتينات تلعب دور أساسي في تنظيم الاستجابة المناعية، وعندما يختل هذا التوازن قد تتأثر الوظائف الإدراكية مثل الذاكرة والانتباه.
في ظل عدم وجود علاج دوائي قياسي لمشكلة الضعف الإدراكي المرتبط بالورم يتجه الباحثون إلى دراسة التدخلات السلوكية والصحية التي قد تساعد المرضى على تخفيف هذه الأعراض.
وتعد التمارين الرياضية من أكثر هذه التدخلات الواعدة إذ تشير دراسات متعددة إلى أنها قد تساعد في تنظيم الاستجابة الالتهابية داخل الجسم وتحسين كفاءة الجهاز المناعي.
فعند ممارسة التمارين يفرز الجسم مجموعة من المواد التي تساعد على تقليل الالتهاب وتحسين التواصل بين الخلايا العصبية وهو ما قد ينعكس إيجاباً على وظائف الدماغ مثل الذاكرة والتركيز.
العلاج الكيميائي
في هذا السياق، كشفت دراسة نُشرت في مجلة Journal of Clinical Oncology عام 2024 عن نتائج تجربة سريرية واسعة النطاق تناولت تأثير التمارين الرياضية على الوظائف الإدراكية لدى المرضى الذين يتلقون العلاج الكيميائي.
وشملت الدراسة نحو 693 مريض من 20 مركز لعلاج الأورام في الولايات المتحدة حيث قُسم المشاركون إلى مجموعتين: مجموعة تلقت برنامج رياضي منزلي وأخرى استمرت في الرعاية الطبية المعتادة دون برنامج رياضي محدد.
اعتمد البرنامج الرياضي في الدراسة على خطة بسيطة يمكن تنفيذها في المنزل لمدة ستة أسابيع، وشمل البرنامج نوعين من التمارين:
وقد صُممت الخطة بشكل فردي لكل مريض وفق حالته الصحية وقدرته البدنية مع متابعة دورية من فريق البحث لضمان الالتزام بالبرنامج.
أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى الذين التزموا بالبرنامج الرياضي سجلوا تحسن ملحوظ في مؤشرات الوظائف الإدراكية مقارنة بالمجموعة الأخرى، كما لاحظ الباحثون انخفاض في مستويات الإرهاق الذهني لدى المشاركين في برنامج التمارين وهو عامل مهم يرتبط مباشرة بقدرة المرضى على التفكير والتركيز.
وأشارت التحليلات البيولوجية إلى أن التمارين ساهمت في تحسين التوازن بين السيتوكينات الالتهابية والمضادة للالتهاب وهو ما قد يفسر التحسن في وظائف الدماغ.
لا يقتصر تأثير ضعف التركيز و الذاكرة لدى مرضى السرطان على الجانب الطبي فقط، بل يمتد إلى جودة الحياة اليومية إذ يواجه المرضى صعوبات في إدارة شئونهم الشخصية والمالية أو الحفاظ على أنشطتهم الاجتماعية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن إدماج النشاط البدني ضمن برامج الرعاية الداعمة لمرضى الأورام قد يساعد في تخفيف هذه الأعباء وتحسين قدرتهم على التعامل مع متطلبات الحياة اليومية أثناء العلاج.
كما يرى الباحثون أن تدريب الفرق الطبية على وصف برامج رياضية مناسبة أو إحالة المرضى إلى متخصصين في التأهيل البدني قد يمثل خطوة مهمة في تحسين الرعاية الشاملة لمرضى الأورام.