حديثو الولادة يتعرضون لكمية أكبر من "المواد الكيميائية الدائمة"

تتزايد المخاوف العالمية بشأن تأثير "المواد الكيميائية الدائمة" على صحة الإنسان خاصة خلال المراحل المبكرة من الحياة، وتشير بيانات حديثة إلى أن الأجنة قد يتعرضون داخل الرحم لمزيج معقد من هذه المركبات بمستويات أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً ما يسلّط الضوء على تحدٍ بيئي وصحي يتطلب إعادة تقييم أدوات القياس والوقاية.

التلوث بالمواد الكيميائية الاصطناعيةالمواد الكيميائية الدائمة

ما هي "المواد الكيميائية الدائمة"؟

تُعرف هذه المركبات علميًا باسم PFAS وهي اختصار لمجموعة كبيرة من المواد الصناعية المستخدمة منذ عقود في تصنيع أواني الطهي غير اللاصقة والأقمشة المقاومة للبقع ومواد تغليف الأغذية ورغوات إطفاء الحرائق، وسُميت "دائمة" لأنها تبقى لفترات طويلة في البيئة وفي جسم الإنسان دون أن تتحلل بسهولة.

ورغم استمرار استخدام آلاف المركبات من هذه الفئة حتى اليوم فإن التأثيرات الصحية لكثير منها لا تزال غير مفهومة بالكامل خاصة عند التعرض التراكمي خلال الحمل.

قياس أدق يكشف صورة مختلفة

نشرت مجلة Environmental Science & Technology في عام 2026، دراسة اعتمدت على تحليل عينات دم الحبل السري لأطفال وُلدوا بين عامي 2003 و2006 ضمن مشروع بحثي طويل الأمد في مدينة سينسيناتي الأمريكية.

الدراسة لم تبدأ من فرضية تقليدية بل سعت إلى تطوير أداة جديدة لتقدير العبء الكلي للتعرض لهذه المواد داخل الرحم باستخدام منهج قائم على علوم البيانات وتقنيات كشف كيميائي متقدمة، وبدلاً من فحص قائمة محدودة ومحددة مسبقاً من المركبات استخدم الباحثون تحليل كيميائي غير موجه يمكّن من رصد مئات أو حتى آلاف المركبات في آن واحد.

تطور الروابط العصبية في دماغ الجنينتأثير المواد الكيميائية الدائمة على الأجنة 

نتائج تكشف اتساع نطاق التعرض

عند تحليل 120 عينة محفوظة من دم الحبل السري تم رصد 42 مركبًا من PFAS مؤكدة أو يُحتمل وجودها، اللافت أن العديد من هذه المركبات لا يُدرج عادة في الفحوص التقليدية كما أن تأثيراتها الصحية غير معروفة حتى الآن.

وأظهرت النتائج أن الأجنة تعرضوا قبل الولادة إلى طيف واسع يشمل مركبات بيرفلورية وبوليفلورية وفلوروتيلوميرات ما يعني أن التعرض ليس لمادة واحدة أو اثنتين بل لمزيج معقد قد تكون له آثار تداخلية.

كما طوّر الباحثون ما أسموه "درجات عبء PFAS-omics" وهي أداة إحصائية تلخص إجمالي التعرض في رقم واحد يعكس صورة شاملة عن مستوى العبء الكيميائي لدى المولود في لحظة زمنية محددة.

إعادة النظر في مفاهيم سابقة

من النتائج اللافتة أن الفروق التي أشارت إليها دراسات سابقة بين الأطفال المولودين لأمهات لأول مرة وأولئك المولودين لأمهات لديهن سوابق حمل، لم تظهر عند استخدام المنهج الشامل الجديد وهو ما يشير إلى أن طريقة القياس قد تؤثر جذرياً على فهمنا لأنماط التعرض.

هذه النتيجة تعزز فكرة أن أدوات الفحص المحدودة قد تعطي صورة ناقصة وربما مضللة عن حجم المشكلة الحقيقي.

لماذا تثير هذه النتائج القلق؟

تُعد فترة الحمل مرحلة حساسة للغاية إذ يكون الجنين أكثر عرضة للتأثيرات البيئية، وقد ربطت أبحاث سابقة التعرض قبل الولادة لبعض مركبات PFAS بانخفاض وزن المولود و الولادة المبكرة وتغير الاستجابة المناعية للقاحات واضطرابات أيضية ومشكلات نمو أخرى.

توسيع نطاق القياس يعني أن الصورة أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد وأن التعرض قد يكون أوسع وأشمل ما يستدعي اهتماماً أكبر بالصحة البيئية كجزء من الرعاية الوقائية.

ماذا يعني ذلك للأطباء والمرضى؟

حالياً لا يُقاس التعرض لـ PFAS بشكل روتيني في الممارسة السريرية رغم تزايد الأدلة على تأثيرها المحتمل في جوانب متعددة من الصحة، إلا أن المنهج الجديد قد يمهد مستقبلًا لإمكانية:

  • تحديد الأفراد ذوي العبء الأعلى من التعرض
  • مراقبة الفئات الأكثر عرضة بشكل أدق
  • دعم استراتيجيات الطب الوقائي المبكر

كما يخطط الفريق البحثي لمتابعة المشاركين الذين أصبحوا الآن في مرحلة المراهقة لدراسة ما إذا كان التعرض التراكمي المبكر يرتبط بنتائج صحية سلبية لاحقاً إضافة إلى تقييم تأثير المركبات الجديدة وغير المدروسة التي تم رصدها.