لم تعد جودة الحيوانات المنوية مسألة مرتبطة بالقدرة على الإنجاب فقط بل باتت تُطرح كمرآة أوسع لصحة الرجل العامة، فالمؤشرات البيولوجية الدقيقة التي تعكس كفاءة الجسم من التوازن الهرموني إلى سلامة الأيض قد تنعكس مباشرة على خصائص السائل المنوي ما يفتح باباً لفهم أعمق للعلاقة بين الصحة وطول العمر.
تأثر الحيوانات المنوية بالتغيرات الفسيولوجية ونمط الحياة
الحيوانات المنوية خلايا شديدة الحساسية للتغيرات الفسيولوجية ونمط الحياة، التدخين والسمنة واضطرابات السكر والالتهابات المزمنة وحتى نقص النوم كلها عوامل قادرة على التأثير في الحركة والشكل والتركيز، لذلك يرى باحثون أن أي تدهور مستمر في هذه المؤشرات قد يكون إنذاراً مبكراً لخلل صحي أوسع لم تظهر أعراضه بعد.
العلاقة بين الخصوبة وطول العمر
ضمن هذا السياق، أظهرت دراسة واسعة نُشرت عام 2023 في مجلة Human Reproduction نتائج لافتة حول العلاقة بين جودة السائل المنوي وطول العمر، الدراسة اعتمدت على بيانات ما يقرب من 80 ألف رجل خضعوا لتقييم الخصوبة عبر عقود طويلة ما أتاح تتبع النتائج الصحية والوفيات على مدى يصل إلى نصف قرن.
عند تحليل حجم السائل المنوي وشكل الحيوانات المنوية وتركيزها ونسبة القادر منها على الحركة ظهر نمط واضح: كلما تحسنت هذه المؤشرات وارتفع متوسط العمر المتوقع، إذ أن الرجال الذين امتلكوا أعدادًا كبيرة من الحيوانات المنوية المتحركة عاشوا في المتوسط نحو ثلاث سنوات أطول مقارنة بمن كانت لديهم أعداد منخفضة للغاية، اللافت أن هذه العلاقة ظلت قائمة حتى بعد ضبط عوامل مثل المستوى التعليمي والحالة الصحية قبل الفحص.
يرى مختصون أن ضعف جودة الحيوانات المنوية إشارة مبكرة لمشكلات صحية كامنة، فاضطرابات وراثية وأمراض مزمنة كداء السكري وبعض الأورام الخبيثة ومشكلات الغدة النخامية إضافة إلى التهابات منقولة جنسياً جميعها قد تترك أثر مباشر على عدد الحيوانات المنوية أو حركتها.
رغم أهمية النتائج، يحذر خبراء من المبالغة في استخدام فحوصات السائل المنوي كمقياس شامل للصحة، فالدراسات الرصدية تكشف الارتباط ولا تثبت السببية كما أن مؤشرات تقليدية مثل ضغط الدم ومستويات السكر والدهون في الدم لا تزال أكثر دقة في التنبؤ بالمخاطر الصحية، لذلك لا يُنصح بإجراء فحوصات السائل المنوي بغرض تقييم الصحة العامة فقط، بل بقراءتها ضمن سياق طبي أشمل.
تشير أبحاث مرافقة إلى دور الإجهاد التأكسدي، وهو اختلال التوازن بين الجذور الحرة ومضادات الأكسدة، في تدهور جودة الحيوانات المنوية وتسارع الشيخوخة.
تقليل هذا الإجهاد ممكن عبر خطوات بسيطة لكنها مؤثرة: الإقلاع عن التدخين والاعتدال في الكحول والتغذية المتوازنة والنشاط البدني المنتظم والنوم الكافي.
وعند اكتشاف ضعف في السائل المنوي خلال تقييمات الخصوبة ينصح الأطباء باعتباره فرصة مبكرة لمراجعة نمط الحياة والتحقق من الصحة العامة قبل ظهور أعراض أو مضاعفات.