لم يعد فيتامين D مجرد عنصر مرتبط بصحة العظام، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى محور اهتمام واسع في أبحاث الخصوبة خاصة لدى الرجال، فالدراسات الحديثة تشير إلى أن هذا الفيتامين يلعب دوراً بيولوجياً معقداً يمتد إلى تنظيم الهرمونات، وحماية الخلايا التناسلية من التلف، ودعم سلامة المادة الوراثية داخل الحيوانات المنوية.
هل تؤثر دوالي الخصية على الخصوبة؟
تُعد دوالي الخصية من أكثر أسباب العقم الذكري شيوعاً إذ تصيب ما يقارب 15% من الرجال وترتفع النسبة إلى نحو 40% بين المصابين بالعقم الأولي، وتؤدي هذه الحالة إلى توسع غير طبيعي في الأوردة المحيطة بالخصية، ما يسبب ارتفاع درجة الحرارة الموضعية وضعف تصريف الدم الوريدي، وزيادة الإجهاد التأكسدي وهي عوامل تؤثر مباشرة في جودة الحيوانات المنوية خصوصاً سلامة الحمض النووي (DNA).
تأثير فيتامين D على جودة الحيوانات المنوية
يمارس فيتامين D تأثيره الحيوي من خلال مستقبلات خاصة به موجودة في الخصية والحيوانات المنوية. وتشير الأبحاث إلى أن نقصه قد يضعف آليات مضادات الأكسدة داخل الخلايا المنوية، ما يجعلها أكثر عرضة لتكسّر الحمض النووي.
هذا التلف يُقاس بمؤشر يُعرف باسم "مؤشر تفتت الحمض النووي للحيوانات المنوية" (DFI) وهو من أهم المؤشرات الحديثة لتقييم جودة السائل المنوي.
في دراسة أُجريت بين عامي 2021 و2024 على 355 رجلاً مصاباً بدوالي الخصية، تبيّن وجود علاقة عكسية واضحة بين مستويات فيتامين D في الدم ومعدل تفتت الحمض النووي للحيوانات المنوية، وأظهرت النتائج أن ارتفاع مستوى فيتامين D يرتبط بانخفاض ملحوظ في قيمة DFI حتى بعد ضبط العوامل المؤثرة مثل العمر ومؤشر كتلة الجسم والتدخين.
كشفت الدراسة، التي نُشرت نتائجها في دوريات علمية متخصصة مثل "The Journal of Sexual Medicine"، عن نقطة فاصلة مهمة؛ إذ تبيّن أن التأثير الإيجابي لفيتامين D يكون أكثر وضوحاً عندما تقل مستوياته عن 25.9 نانومول/لتر، تحت هذا الحد يؤدي أي ارتفاع بسيط في مستوى الفيتامين إلى تحسن ملحوظ في سلامة الحمض النووي للحيوانات المنوية.
اللافت في النتائج أن فيتامين D لم يكن مرتبطة بشكل واضح بمعايير السائل المنوي التقليدية مثل عدد الحيوانات المنوية أو حركتها، بل كان تأثيره الأساسي موجّهاً نحو جودة المادة الوراثية، ويعزز ذلك فكرة أن الخصوبة لا تعتمد فقط على الكمية أو الحركة بل على سلامة الشفرة الوراثية التي يحملها الحيوان المنوي.
تكمن أهمية هذه النتائج في أنها تقدم رقماً إرشادياً يمكن للأطباء الاعتماد عليه عند تقييم الرجال المصابين بدوالي الخصية، فالكشف عن نقص فيتامين D خصوصاً تحت العتبة المحددة قد يفتح باباً لتدخلات داعمة تهدف إلى تقليل تلف الحمض النووي إلى جانب العلاجات الجراحية أو تقنيات الإخصاب المساعد.
كما تدعم هذه المعطيات ما أشارت إليه دراسات سابقة حول العلاقة بين نقص فيتامين D وتراجع خصوبة الرجال، مع إضافة بُعد جديد يتمثل في التركيز على سلامة الـDNA وليس فقط الخصائص الظاهرية للحيوانات المنوية.