تعتمد تقييمات خصوبة الرجال منذ سنوات طويلة على تحليل السائل المنوي من حيث العدد والحركة والشكل إلا أن هذه المؤشرات لا تكشف دائماً عن جودة المادة الوراثية داخل الحيوان المنوي. هنا يبرز تفتت الحمض النووي للحيوانات المنوية (Sperm DNA Fragmentation – SDF) كعامل حاسم يفسر حالات فشل الإخصاب، أو الإجهاض المتكرر حتى عندما تبدو نتائج التحاليل التقليدية طبيعية.
تلف DNA في الحيوانات المنوية
يشير تلف الـDNA في الحيوان المنوي إلى وجود كسور أو أضرار في المادة الوراثية؛ ما يقلل فرص الإخصاب السليم، ويؤثر في تطور الجنين لاحقًا، ورغم أهميته السريرية فإن قياس هذا التلف يتطلب تقنيات معملية خاصة ومعقدة مثل اختبار "TUNEL" وهي اختبارات تُجرى بعد معالجة العينة، وقد لا تكون مناسبة للاختيار المباشر للحيوانات المنوية المستخدمة في الإخصاب المساعد.
في السنوات الأخيرة، فتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة في الطب الإنجابي، خاصة في تحليل الصور الطبية، ومع تطور خوارزميات التعلم العميق أصبح من الممكن استخراج معلومات خفية من صور مجهرية بسيطة تتجاوز ما تراه العين البشرية. هذا التوجه يهدف إلى تحسين دقة التشخيص وتسريع اتخاذ القرار داخل المختبرات.
في دراسة حديثة نُشرت عام 2024، طوّر باحثون أداة ذكاء اصطناعي قادرة على اكتشاف تكسر DNA الحيوانات المنوية من خلال تحليل صور مجهرية عادية بتقنية التباين الطوري، واعتمدت الدراسة على اختبار TUNEL كمرجع ذهبي للمقارنة مع الاستفادة من العلاقة المعروفة بين شكل الحيوان المنوي وسلامة مادته الوراثية.
الأداة الجديدة تجمع بين معالجة الصور ونماذج تعلم آلي متقدمة قائمة على تقنيات transformer وتحديداً GC-ViT ضمن نموذج تجميعي ذكي.
يعتمد النموذج على تحليل الخصائص المورفولوجية للحيوان المنوي، مثل شكل الرأس والذيل ثم يربطها بأنماط دقيقة تشير إلى احتمالية وجود تلف في الـDNA، وتمت مقارنة أداء هذا النموذج بنموذجين آخرين: أحدهما يعتمد فقط على الرؤية الحاسوبية المتقدمة، والآخر على الصفات الشكلية وحدها. النتيجة كانت تفوق النموذج التجميعي في تحقيق توازن أفضل بين الدقة والاعتمادية.
أظهرت الأداة حساسية وصلت إلى 60% ونوعية بلغت 75%، وهي أرقام مشجعة في مجال يتطلب دقة عالية دون إتلاف العينة، والأهم أن هذه الطريقة غير تدميرية ما يسمح باستخدام الحيوان المنوي نفسه في إجراءات الإخصاب مع اختيار أفضل الخلايا من حيث السلامة الجينية في الوقت الحقيقي.
تمثل هذه التقنية خطوة متقدمة نحو فحوصات خصوبة أكثر شمولاً، حيث لا يقتصر التقييم على الحركة والشكل، بل يمتد إلى سلامة المادة الوراثية، كما تفتح المجال لتقليل الاعتماد على الاختبارات المعملية المعقدة، وتحسين نتائج التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب من خلال اختيار أدق للحيوانات المنوية.