يمثل العقم الذكري أحد أكثر القضايا الصحية تعقيداً وحساسية، إذ تشير الإحصاءات إلى أن عامل الذكورة يسهم في قرابة نصف حالات العقم حول العالم، وبينما تتنوع الأسباب بين هرمونية وبيئية تظل الأسباب الوراثية من الأصعب علاجاً، خصوصاً في حالات انعدام الحيوانات المنوية غير الانسدادي حيث يغيب إنتاج الحيوانات المنوية تماماً رغم سلامة القنوات التناسلية ومستويات الهرمونات.
العقم الذكري بسبب انعدام تكون الحيوانات المنوية
يُعد انعدام الحيوانات المنوية غير الانسدادي من أكثر أشكال العقم الذكري تحدياً، إذ يرتبط غالباً بخلل جيني يعوق المراحل الدقيقة لتكوين الحيوانات المنوية داخل الخصية، وحتى وقت قريب كانت الخيارات العلاجية محدودة للغاية ما ترك آلاف الرجال دون فرصة حقيقية للإنجاب البيولوجي.
في تطور علمي لافت، كشف باحثون من جامعة أوساكا اليابانية بالتعاون مع كلية بايلور للطب بأمريكا عن مقاربة علاجية مبتكرة تعتمد على توصيل جزيئات mRNA عبر جسيمات نانوية دهنية، تهدف هذه التقنية إلى استهداف جينات محددة داخل الخصية وتحفيز الخلايا الجرثومية على استئناف عملية تكوين الحيوانات المنوية.
تعتمد الطريقة على حقن الجسيمات النانوية الدهنية مباشرة في شبكة الخصية ما يسمح بتوزيع mRNA داخل الأنابيب المنوية، ولضمان توجيه الرسالة الوراثية إلى الخلايا الجرثومية دون غيرها أجرى الباحثون تعديلاً دقيقاً في البنية التنظيمية للجزيء بما يعزز ترجمته داخل الخلايا المسؤولة عن إنتاج الحيوانات المنوية.
العلاج الجيني للعقم الذكري
في نموذج فئران يعاني من توقف الانقسام الاختزالي بسبب نقص جيني محدد أدى توصيل mRNA المناسب إلى استئناف مراحل الانقسام خلال أسابيع قليلة. وخلال الأسبوع الثالث ظهرت حيوانات منوية مكتملة التكوين، واستخدم الباحثون هذه الحيوانات المنوية في تقنيات الحقن المجهري، ما أسفر عن ولادة نسل سليم وقادر على التكاثر دون رصد تغيرات جينية كبيرة.
بخلاف العلاجات الجينية التقليدية التي قد تندمج مع الجينوم وتثير مخاوف طويلة الأمد، يعتمد هذا النهج على mRNA غير المندمج ما يقلل من مخاطر التغيرات الوراثية الدائمة، وقد نُشرت تفاصيل هذا التقدم في المراجعة العلمية Drug Target Review مسلطة الضوء على إمكاناته كبديل آمن ومرن.
يرى الباحثون أن هذه النتائج قد تمهد الطريق لعلاجات مستقبلية موجهة بحسب الخلل الجيني لكل مريض، ورغم أن التطبيق البشري لا يزال يتطلب أبحاثاً إضافية لضمان السلامة والفعالية، فإن الدراسة تعيد رسم حدود ما كان يُعد سابقاً غير قابل للعلاج.
يعكس هذا التقدم تحولاً نوعياً في فهم العقم الوراثي لدى الرجال، ويؤكد أن الجمع بين التقنيات الجزيئية المتقدمة، وطب الإنجاب قد يفتح آفاقاً غير مسبوقة لعلاج حالات طالما وُصفت بالمستعصية.