لطالما ارتبط الحديث عن العمى الوراثي بفكرة حتمية مفادها أن وجود خلل جيني معيّن يعني بالضرورة فقدان البصر في مرحلة ما من الحياة. هذا التصور الراسخ أثّر على قرارات التشخيص والاستشارة الوراثية وحتى التخطيط العلاجي للأسر والأفراد، لكن التقدم في علم الوراثة السكانية وتحليل البيانات الضخمة بدأ يكشف صورة أكثر تعقيداً تشير إلى أن العلاقة بين الجين والمرض ليست دائماً خطاً مستقيماً.
تُعد أمراض التنكس الشبكي الوراثي من الأسباب الرئيسية للعمى القانوني لدى البالغين في سن العمل. تقليدياً صُنّفت هذه الاضطرابات ضمن ما يُعرف بالأمراض المندلية أي تلك التي يُعتقد أنها ناتجة عن طفرة في جين واحد تؤدي حتماً إلى المرض، وبناءً على هذا الفهم كان يُنظر إلى اكتشاف طفرة "ممرِضة" على أنه تشخيص شبه مؤكد حتى في غياب الأعراض.
أمراض الشبكية الوراثية
الاعتماد لعقود على دراسات أُجريت داخل العيادات وشملت في الغالب مرضى وأسراً تعاني بالفعل من المرض ساهم في تضخيم تقديرات ما يُعرف بـ"نفاذية الجين" أي احتمال ظهور المرض عند وجود الطفرة هذا النوع من التحيز البحثي جعل كثيراً من المتخصصين يعتقدون أن بعض الطفرات الجينية تؤدي إلى المرض بنسبة 100%.
مع ظهور بنوك حيوية ضخمة تضم متطوعين من عامة السكان، أصبح من الممكن دراسة الجينات بعيداً عن تحيز العيادات، في هذا الإطار جاءت دراسة حديثة اعتمدت على تحليل قواعد بيانات واسعة لتختبر فرضية حتمية العمى الوراثي، وقد نُشرت النتائج في مجلة "The American Journal of Human Genetics" بتاريخ 22 ديسمبر 2025، مقدمة تحدياً مباشراً للفهم التقليدي حول أمراض الشبكية الوراثية.
عند فحص مئات الآلاف من المشاركين الذين يحملون طفرات سبق تصنيفها على أنها ممرِضة، تبيّن أن أقل من ثلثهم فقط أظهروا دلائل سريرية على الإصابة بأمراض التنكس الشبكي، حتى عند توسيع معايير التشخيص لتشمل أشكالاً أخرى من ضعف البصر وأمراض الشبكية بقيت النسبة أقل بكثير مما كان متوقعاً تاريخياً.
أمراض وراثية تؤثر على البصر
لتعزيز موثوقية النتائج تم تحليل بيانات مستقلة تضمنت صوراً مباشرة للشبكية، وأظهرت هذه البيانات نسباً متقاربة لظهور علامات المرض لدى حاملي الطفرات الجينية نفسها، ما يدعم فكرة أن وجود الجين وحده لا يكفي لحدوث المرض. اللافت أن عوامل مثل العمر أو التدخين أو الوضع الاجتماعي لم تكن كافية لتفسير الاختلاف في ظهور الأعراض.
تشير هذه المعطيات إلى وجود "معدِّلات" إضافية وراثية أو بيئية تلعب دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كان الخلل الجيني سيتحوّل إلى مرض فعلي. هذا التحول في الفهم يفتح الباب أمام نهج جديد في البحث والعلاج لا يكتفي بتحديد الجين المعيب، بل يسعى لاكتشاف العوامل التي تحمي بعض الأفراد من تطور المرض.
هذا التغير في الرؤية قد يؤثر بشكل مباشر على كيفية استخدام الفحوص الجينية في العيادات، وعلى طريقة إبلاغ المرضى بمخاطرهم المستقبلية، كما يمنح الباحثين فرصة فريدة لدراسة الأشخاص الذين يحملون الطفرات دون أن يُصابوا بالمرض بهدف تطوير علاجات جديدة قد تمنع ظهور الأعراض لدى الآخرين.