لطالما ارتبط الفصام في أذهان كثيرين بصورة واحدة للمرض، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فالفصام ليس حالة تظهر بالطريقة نفسها لدى جميع المرضى، وقد تختلف أعراضه وشدتها وتتغير بمرور الوقت.
وفي الماضي، كان الأطباء يقسمون الفصام إلى خمسة أنواع فرعية رئيسية، من بينها الفصام البارانوي والفصام التخشبي. لكن هذا التصنيف لم يعد مستخدمًا في التشخيص الطبي الحديث.
وفي عام 2013، أزالت الجمعية الأمريكية للطب النفسي هذه الأنواع الفرعية من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، بعدما أظهرت الأبحاث أن أعراض الفصام ليست ثابتة بما يكفي لوضع المرضى في مجموعات منفصلة بشكل صارم.
وبدلًا من ذلك، أصبح الفصام يُفهم باعتباره طيفًا واسعًا من الأعراض يمكن أن تختلف من شخص إلى آخر وتتغير مع مرور الوقت.
بحسب الدراسة التي نشرها موقع clevelandclinic، كان التصنيف القديم يفترض أن بعض المرضى ينتمون بوضوح إلى نوع معين من الفصام، بناءً على الأعراض الأكثر ظهورًا لديهم.
لكن الدراسات أظهرت أن الصورة ليست بهذه البساطة. فقد يعاني الشخص من الهلاوس والأوهام في مرحلة معينة، ثم تظهر لديه لاحقًا مشكلات في التفكير أو السلوك أو الوظائف المعرفية.
كما أن شدة الأعراض قد تتغير بمرور الوقت، ما جعل التصنيف إلى خمس مجموعات ثابتة أقل فائدة في تحديد حالة المريض أو اختيار العلاج الأنسب له.
لذلك، أصبح التركيز حاليًا على الأعراض الموجودة لدى كل شخص وشدتها ومدتها وتأثيرها في حياته بدلًا من وضعه في خانة تشخيصية واحدة.
علاج مبتكر لمرضى الفصام يركّز على تحسين التفاعل الاجتماعي
كان الفصام البارانوي من أشهر التصنيفات القديمة.
وكان يُستخدم لوصف الحالات التي تبرز فيها الأوهام، وهي معتقدات راسخة غير صحيحة، أو الهلاوس، مثل سماع أصوات غير موجودة.
لكن وجود هذه الأعراض لا يعني بالضرورة أن الشخص يعاني من "نوع بارانوي" من الفصام وفق التصنيف الحديث.
فهذه الأعراض قد تظهر إلى جانب أعراض أخرى، مثل اضطرابات التفكير والكلام والسلوك والتغيرات المعرفية.
كان هذا التصنيف يُستخدم عندما تكون اضطرابات التفكير والكلام والسلوك والتعبير العاطفي من أبرز سمات الحالة.
وقد يظهر ذلك في صورة كلام غير مترابط، أو سلوك غير متوقع، أو صعوبة في التعبير عن المشاعر بطريقة مناسبة للموقف.
ورغم أن اسم "الفصام غير المنظم" لم يعد مستخدمًا كتشخيص مستقل، فإن الأعراض التي كان يصفها لا تزال مهمة عند تقييم الأشخاص الذين يعانون من الفصام.
كان الفصام التخشبي مرتبطًا بأعراض حركية وسلوكية غير معتادة، مثل قلة الحركة الشديدة أو انعدامها، أو اتخاذ أوضاع جسدية غير طبيعية، أو تكرار حركات معينة.
وقد يظهر التخشب أيضًا في صورة عدم الكلام أو عدم الاستجابة للمحيط، وفي بعض الحالات قد يحدث العكس، أي نشاط حركي مفرط وغير هادف.
واللافت أن التخشب لا يقتصر على الفصام، بل يمكن أن يحدث مع حالات نفسية وطبية أخرى، ولذلك لا يُعد وحده دليلًا على الإصابة بالفصام.
مرض الفصام يتعرض للهلاوس والأوهام
كان مصطلح "الفصام المتبقي" يُستخدم لوصف الحالات التي تراجعت فيها أعراض مثل الهلاوس والأوهام، بينما بقيت أعراض أخرى أكثر خفوتًا.
وقد تشمل هذه الأعراض انخفاض التعبير العاطفي أو بعض الصعوبات المرتبطة بالتفكير والسلوك.
أما في التشخيص الحديث، فلا يُنظر إلى هذه الحالة باعتبارها نوعًا منفصلًا من الفصام، بل يتم تقييم الأعراض الموجودة لدى الشخص وشدتها وتأثيرها في حياته.
كان الأطباء يستخدمون هذا التصنيف عندما تظهر لدى الشخص أعراض الفصام، لكنها لا تتوافق بشكل واضح مع أحد الأنواع الفرعية الأخرى.
وهذا التصنيف القديم يعكس في حد ذاته المشكلة التي دفعت الخبراء إلى تغيير الطريقة التي ينظرون بها إلى الفصام.
فالمرض قد يجمع أكثر من مجموعة من الأعراض، وقد تتغير هذه الأعراض بمرور الوقت، لذلك يصعب أحيانًا اختزال الحالة في نوع واحد ثابت.
في الوقت الحالي، لا يُشخّص الفصام باعتباره "بارانويًا" أو "غير منظم" أو "متبقيًا" أو "غير متمايز".
بل ينظر الأطباء إلى الفصام باعتباره اضطرابًا معقدًا ضمن طيف الفصام والاضطرابات الذهانية المرتبطة به.
ويشمل التقييم الحديث النظر في أعراض مثل الهلاوس والأوهام، واضطرابات التفكير والكلام، والتغيرات السلوكية، والأعراض السلبية، والصعوبات المعرفية، إلى جانب مدة الأعراض وتأثيرها في حياة الشخص.
كما يحرص الطبيب على استبعاد أسباب أخرى يمكن أن تؤدي إلى أعراض ذهانية، مثل بعض الحالات الطبية أو استخدام مواد أو أدوية معينة.
وهناك اضطرابات أخرى تشبه الفصام
لا يعني ظهور الهلاوس أو الأوهام تلقائيًا الإصابة بالفصام، فهناك اضطرابات أخرى يمكن أن تتضمن أعراضًا ذهانية.
ومن بينها الاضطراب الفصامي العاطفي، واضطراب شبيه بالفصام، واضطراب التوهم، وبعض الاضطرابات الذهانية المرتبطة بتعاطي مواد أو بحالات طبية أخرى.
ولهذا السبب، قد يحتاج الوصول إلى التشخيص الصحيح إلى تقييم طبي ونفسي شامل.
الفكرة الأساسية من تطور تصنيف الفصام ليست تغيير الاسم فقط، وإنما تحسين فهم الحالة وتقديم العلاج المناسب لكل شخص.
فالأعراض تختلف من مريض إلى آخر، وقد تتغير بمرور الوقت. وبالتالي، فإن الاعتماد على تصنيف ثابت قد لا يعكس الصورة الكاملة لحالة الشخص.
أما التقييم الفردي للأعراض ومسار المرض فيساعد الطبيب على تحديد احتياجات المريض ومتابعة تطور حالته واختيار التدخلات العلاجية المناسبة.
الأنواع الخمسة القديمة للفصام لم تعد تشخيصات معتمدة في الطب النفسي الحديث، لكنها تظل مفيدة لفهم كيف كان الأطباء يصفون الأعراض في الماضي.
أما اليوم، فالفصام يُفهم باعتباره طيفًا معقدًا ومتغيرًا من الأعراض، وليس مجموعة من خمسة أنواع منفصلة.
وإذا ظهرت على شخص ما أعراض مثل الهلاوس أو الأوهام أو اضطرابات واضحة في التفكير والسلوك، فمن المهم طلب تقييم متخصص. فالتشخيص الدقيق قد يستغرق وقتًا، لكنه خطوة أساسية للوصول إلى العلاج والرعاية الأكثر ملاءمة.