تشهد التقنيات الطبية قفزات متسارعة أعادت تعريف مفهوم غرفة العمليات؛ فلم يعد وجود الجراح بجوار المريض شرطاً مطلقاً لإجراء العمليات المعقدة.
ومع تطور أنظمة الجراحة الروبوتية وشبكات الاتصالات فائقة السرعة، برزت "الجراحة عن بُعد" كأحد أبرز الحلول لتجاوز الحواجز الجغرافية ونقص الأطباء المتخصصين في المناطق النائية؛ ما يفتح الباب أمام تقديم رعاية جراحية متقدمة دون الحاجة إلى انتقال المريض لمسافات طويلة.
الجراحة الروبوتية عن بعد
تعتمد الجراحة عن بُعد على منظومة متكاملة تشمل منصة تحكم للجراح مزودة بتقنيات رؤية ثلاثية الأبعاد وإحساس لمسي وروبوتاً جراحياً بجوار المريض، إضافةً إلى شبكات اتصال منخفضة التأخير لنقل الأوامر والصور في الزمن الحقيقي. وتُحوَّل حركات يد الجراح إلى إشارات رقمية تنتقل عبر خطوط اتصال آمنة، لتتحول بدورها إلى حركات دقيقة للأذرع الروبوتية داخل غرفة العمليات.
ورغم ما تحمله هذه التقنية من وعود بتوسيع نطاق الخدمات الطبية، ظلت التساؤلات قائمة حول مدى موثوقيتها مقارنة بالجراحة الروبوتية التقليدية التي يُجريها الجراح في المكان نفسه.
جراحة استئصال البروستاتا
في ديسمبر 2024 نُشرت رسالة بحثية في مجلة "BMJ" تناولت هذا التساؤل عبر تجربة عشوائية محكمة أُجريت في خمسة مستشفيات بالصين خلال الفترة من ديسمبر 2023 حتى يونيو 2024.
شملت الدراسة 72 مريضاً خضعوا لعمليات في المسالك البولية باستخدام الروبوت، مثل استئصال البروستاتا أو استئصال جزء من الكلية وتم توزيعهم عشوائياً بين الجراحة عن بُعد والجراحة المحلية.
الهدف الرئيسي كان قياس احتمال نجاح العملية وفق معايير محددة مسبقاً إلى جانب تقييم مضاعفات ما بعد الجراحة وسرعة التعافي وأداء النظام التقني المستخدم وكذلك عبء العمل على الطاقم الطبي.
نتائج متقاربة للجراحة عن بعد
أظهرت النتائج أن الجراحة عن بُعد لم تكن أقل كفاءة من الجراحة المحلية في نسبة نجاح العمليات؛ حيث بلغت نسبة النجاح في مجموعة الجراحة عن بُعد 100% مقابل 94% تقريباً في الجراحة التقليدية.
كما لم تُسجل فروق جوهرية في مدة العملية أو فقدان الدم أو معدلات المضاعفات أو سرعة التعافي خلال الأسابيع الأولى بعد الجراحة.
الأداء التقني واستقرار الشبكات
رصد الباحثون أيضاً مؤشرات تقنية مثل زمن تأخر الشبكة وفقدان الإطارات أثناء نقل الصورة؛ وهي عوامل قد تؤثر على دقة التحكم الجراحي. وأظهرت البيانات استقراراً ملحوظاً حتى في المسافات البعيدة التي تجاوزت 2800 كيلومتر، مع معدلات تأخير منخفضة لم تتجاوز أجزاء من الثانية؛ ما يشير إلى قدرة الشبكات الحديثة على دعم هذا النوع من العمليات بأمان نسبي.
عبء العمل على الجراحين
أحد الجوانب اللافتة تَمثل في انخفاض شعور الجراحين بالإجهاد الذهني خلال الجراحة عن بُعد مقارنة بالجراحة المحلية وفق مقاييس تقييم عبء العمل المهني. ويُرجَّح أن يعود ذلك إلى بيئة العمل الرقمية الأكثر تنظيماً، رغم أن الباحثين أشاروا إلى احتمال وجود تحيز ناتج عن صعوبة إخفاء نوع الجراحة عن الفريق الطبي.
آفاق مستقبلية
تسلط هذه النتائج الضوء على إمكانية استخدام الجراحة عن بُعد كحل عملي لتقليص الفجوة بين المدن الكبرى والمناطق المحرومة من الخدمات التخصصية، خاصة مع تزايد أعداد المرضى وارتفاع الطلب على العمليات الجراحية الدقيقة. كما تمثل خطوة مهمة نحو دراسات أوسع قد تقيّم الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتدريبية المرتبطة بتبني هذه التقنية على نطاق أوسع.