يُعد الإفراط في استهلاك الملح أحد أبرز العوامل المؤدية لارتفاع ضغط الدم؛ وهو بدوره بوابة لأمراض القلب والسكتات الدماغية وأمراض الكلى واضطرابات معرفية متعددة.
ورغم التوصيات الصحية العالمية التي تدعو إلى تقليل الصوديوم، لا يزال الاستهلاك اليومي في كثير من الدول أعلى من الحدود الآمنة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على الأطعمة الجاهزة والمُصنَّعة.
تأثير الملح على صحة القلب
في مواجهة هذا التحدي، اتجهت دول أوروبية إلى حلول لا تعتمد على تغيير سلوك المستهلك، بل على إعادة صياغة المنتجات الغذائية نفسها. الفكرة بسيطة: تقليل الملح في الأطعمة الأكثر استهلاكاً دون أن يلاحظ الناس فرقاً في الطعم، وبما يخلق بيئة غذائية صحية تلقائياً.
ضمن هذا التوجه، صدرت في عام 2026 دراستان أوروبيتان تناولتا أثر خفض الصوديوم في أطعمة شائعة بفرنسا والمملكة المتحدة، ونُشرت نتائجهما في مجلة (Hypertension) لتقدما أدلة رقمية قوية على المكاسب الصحية المحتملة.
نسبة الملح في الخبز وتأثيرها على الصحة
في فرنسا، يحتل الخبز -وخاصة الباغيت- مكانة مركزية على المائدة اليومية، لكنه يساهم تقليدياً بنحو ربع الاستهلاك اليومي من الملح. في إطار هدف وطني لخفض استهلاك الملح بنسبة 30%، تم توقيع اتفاق طوعي مع منتجي الخبز لتقليل الصوديوم بحلول 2025.
اعتمد الباحثون على نماذج رياضية وبيانات وطنية لتقدير الأثر الصحي المتوقع في حال الالتزام الكامل بهذه المعايير. وأظهرت النتائج أن خفض الملح في الخبز وحده يمكن أن يقلل الاستهلاك اليومي بنحو 0.35 جرام للفرد؛ ما ينعكس على انخفاض طفيف لكنه واسع النطاق في ضغط الدم عبر السكان.
هذا الانخفاض وإن بدا صغيراً على مستوى الفرد، يُترجم إلى مكاسب سكانية كبيرة، منها تقليل الوفيات السنوية بأكثر من ألف حالة، وانخفاض ملحوظ في دخول المستشفيات بسبب أمراض القلب الإقفارية والسكتات الدماغية. اللافت أن هذه التغييرات مرّت دون أن يلاحظها المستهلك ما يعزز فعالية النهج غير المباشر.
في المملكة المتحدة، ركزت الدراسة الثانية على الأطعمة المُغلَّفة والوجبات السريعة، مع تقييم أهداف خفض الملح لعام 2024 عبر 84 فئة غذائية داخل المتاجر و24 فئة للأطعمة خارج المنزل. ووفق النمذجة، فإن الالتزام الكامل بهذه الأهداف كان سيخفض متوسط الاستهلاك اليومي من الملح بنحو 17.5%.
هذا الخفض كفيل -على مدى 20 عاماً- بمنع نحو 100 ألف حالة من أمراض القلب الإقفارية وحوالي 25 ألف سكتة دماغية، إضافة إلى تحسين جودة الحياة وتوفير مليارات الجنيهات من تكاليف الرعاية الصحية. ويعود الأثر الأكبر إلى الانخفاض التدريجي في ضغط الدم على مستوى السكان، وهو ما يتراكم تأثيره بمرور الزمن.
تشدد الدراستان على أن النجاح يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين صانعي السياسات والقطاع الغذائي والجهات الصحية؛ فخفض الصوديوم على مستوى الصناعة -حتى بتعديلات صغيرة "غير مرئية"- يمكن أن يحقق فوائد صحية واسعة دون تحميل الأفراد عبء تغيير عاداتهم اليومية.
كما تؤكد النتائج أن هذا النهج قابل للتطبيق في دول أخرى تعتمد بدرجة كبيرة على الأطعمة الجاهزة، حيث تتحول التحسينات الفردية الصغيرة إلى مكاسب كبيرة عندما تشمل مجتمعاً كاملاً.