مع التقدم في العمر يواجه بعض الأشخاص ما يعرف بـ"الضعف الإدراكي البسيط" وهي حالة تتميز بتراجع محدود في القدرات الذهنية مثل الذاكرة أو الانتباه دون أن يصل الأمر إلى مرحلة الخرف الكامل، وتعد هذه الحالة من أهم المراحل المبكرة المرتبطة بمرض ألزهايمر إذ تشير الدراسات إلى أن نسبة من المرضى قد تتطور حالتهم لاحقاً إلى الخرف.
يركز العلماء في السنوات الأخيرة على إيجاد تدخلات علاجية مبكرة يمكنها إبطاء التدهور المعرفي قبل وصول المرض إلى مرحلة متقدمة، ومن بين المواد التي عادت إلى دائرة الاهتمام العلمي عنصر الليثيوم وهو دواء معروف منذ عقود في علاج الاضطرابات المزاجية.
التدهور المعرفي والإدراكي
تشير بعض الأبحاث إلى أن نقص الليثيوم في الجسم قد يلعب دور في تطور أمراض التنكس العصبي مثل ألزهايمر، ويُعتقد أن هذا العنصر يمتلك خصائص واقية للخلايا العصبية إذ يعمل على تثبيط إنزيمات مرتبطة بتلف الخلايا العصبية، كما قد يعزز إنتاج عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF) وهو بروتين مهم للحفاظ على صحة الخلايا العصبية ووظائف الذاكرة.
كما أظهرت دراسات سابقة على الحيوانات وبعض التجارب البشرية أن الليثيوم قد يبطئ التدهور المعرفي ما دفع الباحثين إلى اختبار تأثير الجرعات المنخفضة منه لدى كبار السن.
نشرت مجلة JAMA Network Open في عام 2025، نتائج تجربة سريرية عشوائية هدفت إلى دراسة تأثير الجرعات المنخفضة من كربونات الليثيوم على التدهور المعرفي لدى كبار السن المصابين بضعف إدراكي بسيط.
أُجريت الدراسة في University of Pittsburgh School of Medicine وشملت 80 مشارك تبلغ أعمارهم 60 عاماً أو أكثر، تم توزيع المشاركين عشوائيًا لتلقي جرعات منخفضة من الليثيوم يومياً أو علاج وهمي لمدة عامين، وقام الباحثون بقياس مجموعة من المؤشرات من بينها الأداء المعرفي وحجم مناطق معينة في الدماغ مثل الحُصين المسئول عن الذاكرة، إضافة إلى مستويات بعض المؤشرات الحيوية في الدم.
تدهور الذاكرة اللفظية
أظهرت النتائج أن معظم المؤشرات الرئيسية للدراسة لم تصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية المحدد مسبقاً، لكن تحليل البيانات كشف مؤشر مهم يتعلق بالذاكرة اللفظية فقد تراجعت درجات اختبار الذاكرة اللفظية لدى المشاركين الذين تلقوا العلاج الوهمي بمعدل 1.42 نقطة سنوياً في حين كان التراجع أقل لدى من تناولوا الليثيوم حيث بلغ 0.73 نقطة سنوياً.
ورغم أن الفرق لم يصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية الصارمة التي حددها الباحثون فإنه يشير إلى احتمال وجود تأثير وقائي للجرعات المنخفضة من الليثيوم على الذاكرة، كما أظهرت تحليلات إضافية أن التأثير قد يكون أقوى لدى الأشخاص الذين لديهم تراكم لبروتين الأميلويد في الدماغ وهو أحد السمات البيولوجية المرتبطة بمرض ألزهايمر.
اعتمدت الدراسة أيضاً على تقنيات تصوير الدماغ مثل الرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني لتقييم التغيرات في بنية الدماغ، وأظهرت النتائج أن حجم الحُصين والقشرة الدماغية انخفض تدريجيًا لدى المشاركين في كلا المجموعتين وهو نمط متوقع مع تقدم العمر والضعف الإدراكي، لكن الفروق بين المجموعتين لم تكن كبيرة بما يكفي لإثبات تأثير واضح للعلاج خلال فترة الدراسة، أما بالنسبة للمؤشرات الحيوية مثل BDNF، فلم تُظهر الدراسة تغيرات كبيرة مرتبطة باستخدام الليثيوم.
أكد الباحثون أن الجرعات المنخفضة من الليثيوم كانت آمنة ومقبولة بشكل عام لدى المشاركين، ولم تُسجل أي حالات وفاة مرتبطة بالعلاج، بينما حدثت حالة وفاة واحدة في مجموعة العلاج الوهمي.
وكانت الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً تشمل ارتفاع مستويات الكرياتينين والإسهال والشعور بالتعب وارتعاش اليدين لكنها ظهرت بنسب متقاربة في المجموعتين، كما لاحظ الباحثون أن معظم كبار السن لم يستطيعوا تحمل جرعات تزيد على 300 ملج يومياً ما يشير إلى أن الدراسات المستقبلية ينبغي أن تركز على نطاق الجرعات المنخفضة.
يرى الباحثون أن هذه التجربة التجريبية قدمت معلومات مهمة حول حجم التأثير المحتمل لليثيوم إضافة إلى بيانات تتعلق بسلامته وإمكانية استخدامه في دراسات أكبر، كما توضح النتائج أن التجارب المستقبلية قد تكون أكثر دقة إذا ركزت على المرضى الذين لديهم مؤشرات بيولوجية واضحة لمرض ألزهايمر، مثل وجود بروتين الأميلويد في الدماغ، وهو ما قد يساعد على كشف التأثير الحقيقي للعلاج على التدهور المعرفي.