روابط خفية بين الهبات الساخنة ومستويات الإنسولين خلال سن اليأس

تمرّ النساء خلال الانتقال إلى سن اليأس بسلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي قد تؤثر بوضوح في جودة الحياة. ومن أبرز هذه الأعراض ما يُعرف بـ"الأعراض الحركية الوعائية" مثل الهبات الساخنة، والتعرق الليلي وأحياناً نوبات التعرق البارد إلى جانب جفاف مهبلي وتقلّبات في ضغط الدم وخفقان القلب.

 وسابقاً، كان يُعتقد أن السبب يعود لتراجع هرمون الإستروجين فقط، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت اهتماماً متزايداً بدور الصحة الأيضية، وخاصةً مقاومة الإنسولين.

العلاقة بين الطقس البارد والهبات الساخنةعلاقة مقاومة الإنسولين بالهبات الساخنة

الأيض في قلب المعادلة

ترتبط السمنة وارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI) بزيادة تكرار وحدة الهبات الساخنة، لكن دور الإنسولين، وهو مؤشر مبكر لاضطراب التمثيل الغذائي، ظل أقل وضوحاً فالأنسولين لا ينظم سكر الدم فقط، بل يؤثر أيضاً في الجهاز التناسلي عبر تعديل إفراز الهرمونات وتنظيم إنتاج المبايض للستيرويدات.

ويُعد ارتفاع الإنسولين، أو ما يُعرف بـ"فرط الإنسولين"، من العلامات المبكرة التي قد تسبق الإصابة بمقاومة الإنسولين أو السكري من النوع الثاني وقد يكون له تأثيرات هرمونية تتجاوز سكر الدم.

دراسة طويلة المدى تكشف الروابط

في دراسة نُشرت عام 2025، اعتمد الباحثون على بيانات طولية من مشروع Study of Women’s Health Across the Nation (SWAN)، الذي تابع آلاف النساء في الولايات المتحدة لسنوات خلال مرحلة ما قبل وأثناء سن اليأس.

شملت التحليلات 704 مشاركات لم يخضعن لاستئصال المبيض أو الرحم، ولم يستخدمن أدوية للسكري وتم تقييم صحتهن الأيضية عند سن 47 عاماً، بلغ متوسط مستوى الأنسولين الصائم في هذا العمر نحو 10 ميكرووحدة/مل ومتوسط مؤشر كتلة الجسم 27.

أظهرت النتائج أن ارتفاع الإنسولين عند سن 47 ارتبط ببداية مبكرة للهبات الساخنة والتعرق الليلي، إضافة إلى طول مدة استمرار الهبات الساخنة ونوبات التعرق البارد، كما ارتبط بزيادة أكبر في مستويات هرمون التستوستيرون مع تقدم المرحلة الانتقالية.

وباستخدام نماذج إحصائية متقدمة (Cox regression)، تبيّن أن كل زيادة بمقدار انحراف معياري في مستوى الإنسولين ارتبطت بزيادة خطر الهبات الساخنة بنسبة 14%، والأهم أن هذا الارتباط ظل قائماً حتى بعد ضبط تأثير مؤشر كتلة الجسم ومستويات الجلوكوز، ما يشير إلى دور مستقل للأنسولين.

مقاومة الإنسولينعلامات ارتفاع الإنسولين

الإنسولين مقابل مؤشر كتلة الجسم

رغم أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم BMI أظهر ارتباطاً مماثلاً ببداية مبكرة للأعراض، فإن تأثيره فقد دلالته الإحصائية عند إدخال الإنسولين في النماذج المشتركة. في المقابل ظل الإنسولين مؤشر أقوى للتنبؤ بحدوث الهبات الساخنة.

وعلى صعيد التغيرات الهرمونية، ارتبط ارتفاع BMI بانخفاض أبطأ في الإستروجين وارتفاع تدريجي في FSH، بينما كان الإنسولين أكثر ارتباطاً بزيادة التستوستيرون، وهو نمط قد يعكس حالة فرط أندروجينية ترتبط بمخاطر أيضية مستقبلية.

لماذا قد يؤثر الإنسولين في الحرارة؟

تشير أبحاث تجريبية إلى أن الإنسولين قد يؤثر في مراكز تنظيم الحرارة في الدماغ، وربما يضيق ما يُعرف بـ"المنطقة الحرارية المحايدة"؛ ما يجعل الجسم أكثر حساسية للتغيرات الطفيفة في الحرارة فتظهر الهبات الساخنة بسهولة أكبر.

كما أن العلاقة بين أعراض سن اليأس وخطر الإصابة لاحقاً بالسكري من النوع الثاني تعزز فكرة وجود مسار أيضي مشترك يكون فيه الأنسولين لاعب رئيسي.

دلالات صحية مهمة

تسلّط النتائج الضوء على أن الصحة الأيضية في منتصف العمر لا تؤثر فقط في خطر الأمراض المزمنة، بل قد تحدد أيضًا طبيعة تجربة المرأة خلال سن اليأس. والأهم أن مستويات الإنسولين يمكن تعديلها نسبياً عبر نمط الحياة مثل التمارين الهوائية و تمارين المقاومة والنظام الغذائي الصحي حتى دون فقدان وزن كبير.

وتفتح هذه المعطيات الباب أمام استراتيجيات وقائية مبكرة تركز على تحسين حساسية الأنسولين، ليس فقط لحماية القلب والتمثيل الغذائي، بل أيضاً لتخفيف الأعراض المزعجة التي ترافق هذه المرحلة الحساسة من حياة المرأة.