يشهد الطب الحديث تقدماً كبيراً في علاج أورام الأطفال والمراهقين، ما أدى إلى ارتفاع معدلات النجاة على نحو غير مسبوق. غير أن هذا الإنجاز الطبي يرافقه "تحدٍّ صحي" طويل الأمد يتمثل في ظهور علامات تسارع الشيخوخة لدى من تعافوا من الأورام في سن مبكرة، وهو ما يثير تساؤلات حول جودة الحياة والصحة المستقبلية لهؤلاء الناجين.
الشخوخة المبكرة تصيب الأطفال المتعافين من الأورام
تشير الأدلة العلمية إلى أن الناجين من الأورام في مرحلتي المراهقة وبداية الشباب يبدون علامات تقدم في العمر أسرع من أقرانهم الذين لم يمروا بتجربة المرض. ولا يقتصر هذا التسارع على التغيرات الجسدية الظاهرة، بل يمتد إلى المستوى الخلوي ووظائف الدماغ بما في ذلك الذاكرة والانتباه وسرعة معالجة المعلومات.
كشفت دراسة أُجريت عام 2024 ونُشرت في مجلة "Nature Communications" عن تفاصيل دقيقة حول كيفية حدوث الشيخوخة المتسارعة لدى الناجين من الأورام.
قاد الدراسة باحثون من معهد ويلموت للسرطان (Wilmot Cancer Institute) التابع لجامعة روتشستر في نيويورك ومستشفى "سانت جود" لأبحاث الأطفال بأمريكا، حيث اعتمدت على تحليل بيولوجي ومعرفي شامل لمئات الناجين الذين مرّ على علاجهم ما لا يقل عن 5 سنوات.
أظهرت النتائج أن التقدم السريع في العمر البيولوجي يحدث بغض النظر عن نوع العلاج الذي تلقاه المرضى في طفولتهم أو شبابهم، إلا أن العلاج الكيميائي برز بوصفه العامل الأسرع في تسريع الشيخوخة؛ نظراً لتأثيره الواسع على الحمض النووي وتسببه في تلف الخلايا والأنسجة. هذه التغيرات تترك بصمة طويلة الأمد تظهر لاحقاً على شكل تقدم مبكر في العمر البيولوجي.
العلاج الكيميائي يسرع شيخوخة الأطفال
لم تتوقف آثار الشيخوخة المتسارعة عند الخلايا فقط، بل ارتبطت بشكل وثيق بوظائف الدماغ، فقد وُجد أن الناجين الذين يمتلكون عمر بيولوجي أعلى من عمرهم الزمني يواجهون صعوبات أكبر في الذاكرة والتركيز والانتباه. هذه التحديات المعرفية قد تعرقل مسارهم التعليمي والمهني في مرحلة يفترض أن تكون مخصصة لبناء الاستقلالية وتأسيس المستقبل.
يعاني كثير من الناجين من الأورام في سن مبكرة من صعوبات في استكمال التعليم أو تحقيق الاستقرار الوظيفي، مقارنة بإخوتهم أو أقرانهم. ويصف الباحثون هذا الوضع بأنه "عاصفة مثالية" تتقاطع فيها آثار المرض والعلاج مع متطلبات مرحلة عمرية مليئة بالطموحات والتحديات.
رغم هذه النتائج المقلقة، تحمل الأبحاث الجارية إشارات إيجابية إذ يعمل الباحثون على استكشاف إمكانية إبطاء أو حتى عكس بعض مظاهر الشيخوخة المتسارعة من خلال تغييرات في نمط الحياة، مثل الإقلاع عن التدخين وممارسة الرياضة وتحسين التغذية، وقد أظهرت دراسات أولية أن النشاط البدني المنتظم قد يساهم في تقليل مظاهر التقدم البيولوجي في العمر المرتبطة بالأورام.
تركز الأبحاث الحالية على تحديد اللحظة التي تبدأ فيها الشيخوخة المتسارعة: هل أثناء العلاج نفسه أم بعده بسنوات؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تفتح الباب أمام تدخلات مبكرة تحسن ليس فقط متوسط العمر المتوقع للناجين، بل نوعية حياتهم على المدى الطويل أيضاً.