مع تزايد وتيرة الحرائق في الغابات والأراضي الزراعية خلال السنوات الأخيرة، تتصاعد المخاوف بشأن تأثيرات الدخان الكثيف على الصحة، ليس فقط على الجهاز التنفسي، بل أيضاً على مراحل مبكرة من الحياة مثل الحمل، فالسحب الداكنة من الدخان التي تغطي المدن والقرى لم تعد مجرد ظاهرة عابرة بل أصبحت تهديداً طويل الأمد لصحة الأجيال المقبلة.
دخان الحرائق يحتوي على خليط معقد من الغازات والجسيمات الدقيقة والمواد الكيميائية السامة، ومن أخطر مكوناته جسيمات (PM2.5) وهي جسيمات دقيقة جداً يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر أي أصغر بـ30 مرة من عرض شعرة الإنسان. هذه الجسيمات قادرة على اختراق الرئتين والوصول إلى مجرى الدم؛ ما يثير تساؤلات حول تأثيرها المحتمل على نمو الدماغ لدى الأجنة.
خطر المواد الكيميائية والجسيمات الدقيقة
في هذا الإطار، نشرت مجلة "Environment International" في فبراير 2026 دراسة كبيرة قادها باحثون من جامعتي كاليفورنيا ديفيس وكاليفورنيا لوس أنجلوس، حلل الفريق بيانات أكثر من 8.6 مليون ولادة وربطوها بتشخيصات اضطراب طيف التوحد حتى عام 2022 مع استخدام خرائط الحرائق وبيانات محطات رصد جودة الهواء وصور الأقمار الصناعية لتقدير مستويات التعرض للدخان. وشمل التحليل فترة الحمل وما قبلها وبعدها لتحديد المرحلة الأكثر حساسية.
أظهرت النتائج أن الخطر يرتبط بفترات الدخان الكثيف جداً وليس متوسط التلوث فقط، فعندما تعرضت الحوامل لأعلى 10% من مستويات الدخان ارتفعت احتمالية تشخيص التوحد لدى أطفالهن بنسبة 6%، وكان التأثير أكثر وضوحاً في المناطق الأقل تلوثاً، حيث وصل الخطر إلى زيادة بنسبة 50% لدى حالات الحمل التي تعرضت لأشد مستويات الدخان.
كما تبين أن مستوى الدخان المصنف على أنه "كثيف جداً" أي عندما تصل جسيمات الحرائق إلى 35 ميكروجراماً لكل متر مكعب أو أكثر، ارتبط بزيادة ملحوظة في احتمالات التشخيص مقارنة بالأيام الأقل تلوثاً.
اضطراب طيف التوحد
كشفت الدراسة أن مصدر المواد المحترقة يلعب دوراً مهماً، فالحرائق التي تشمل المنازل والأراضي الزراعية تبدو أكثر خطورة بسبب احتراق البلاستيك والمركبات والإلكترونيات، ما يطلق خليطاً أكثر سمّية من المواد الكيميائية مقارنة باحتراق النباتات فقط.
وأوضح الباحثون أن تأثير تلوث الهواء يختلف حسب المصدر ، والتركيب الكيميائي وتوقيت التعرض وشدته وهو ما قد يؤثر على نمو الجهاز العصبي للجنين.
رغم قوة العلاقة الإحصائية، شدد الباحثون على أن النتائج تشير لعلاقة "ارتباط" تستدعي المزيد من البحث، ولا تثبت أن الدخان يسبب التوحد بشكل مباشر.
ومع تزايد الظواهر المناخية المتطرفة، يؤكد الخبراء أهمية الإجراءات الوقائية، مثل تحسين أنظمة تنقية الهواء داخل المنازل، وإنشاء ملاجئ هواء نقي لحماية النساء الحوامل والفئات الأكثر عرضة للخطر.