يرى كثير من الآباء والمعلمين أن رفع سقف التوقعات الدراسية يمثل أمراً ضرورياً لدفع الطلاب نحو النجاح، لكن ما يُنظر إليه كـ "حافز" قد يتحول أحياناً إلى ضغط مفرط يترك آثاراً نفسيةً تمتد لسنوات. فمرحلة المراهقة، خاصة في منتصفها، تمثل نقطة حساسة في التكوين النفسي، وأي توتر مزمن خلالها قد تكون له انعكاسات بعيدة المدى.
ويُعد سن الخامسة عشرة تحديداً مرحلة مفصلية؛ إذ يخوض الطلاب امتحانات الشهادة الثانوية العامة التي تحدد مساراتهم التعليمية. هذا التوقيت يتزامن مع تغيرات بيولوجية وعاطفية عميقة، مما يجعل الضغوط الأكاديمية أكثر تأثيراً على الصحة العقلية.
توتر ضغط الدراسة يسبب الاكتئاب
في دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة (The Lancet Child & Adolescent Health)، تتبع باحثون من جامعة كوليدج لندن (UCL) 4714 شاباً من مجموعة "أطفال التسعينيات". حللت الدراسة مستويات التوتر الأكاديمي في سن 15 عاماً، ثم تابعت حالتهم النفسية حتى أوائل العشرينيات.
وأظهرت النتائج أن المراهقين الذين شعروا بضغوط دراسية مفرطة استمروا في تسجيل معدلات أعلى من أعراض الاكتئاب سنوياً حتى سن 22 على الأقل مع أقوى ارتباط عند سن 16.
اكتئاب المراهقين
أرقام مقلقة حول إيذاء النفس
لم تقتصر النتائج على الاكتئاب فقط، بل كشفت أيضاً عن علاقة واضحة بين الضغط الأكاديمي وإيذاء النفس، فقد وجد الباحثون أنه مقابل كل زيادة بمقدار نقطة واحدة على مقياس مكوّن من تسع نقاط لقياس الضغط الدراسي في سن 15، ارتفعت احتمالات إيذاء النفس بنسبة 8%.
واللافت أن هذا الخطر لم يكن عابراً، بل ظل قابلاً للرصد حتى بلوغ المشاركين سن 24 عاماً، ما يشير إلى أن آثار الإجهاد المدرسي قد تمتد لقرابة عقد كامل.
في تحليل منفصل ضمن الدراسة نفسها تبيّن أن مستويات التوتر المرتفعة في أعمار أصغر مثل 11 و14 عاماً ارتبطت أيضاً بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب لاحقاً، وهذا يعني أن جذور المشكلة قد تبدأ قبل سنوات من الامتحانات النهائية في المرحلة الثانوية.
ويرى الباحثون أن الضغط الأكاديمي يمثل عامل خطر "قابل للتعديل" أي أنه يمكن التدخل للحد منه، وبدلاً من التركيز فقط على مساعدة الطلاب على التكيف مع التوتر يقترح الفريق اعتماد مقاربة شاملة على مستوى المدرسة بأكملها.
الدعوة لا تقتصر على تقليل عدد الامتحانات، بل تمتد إلى إعادة النظر في ثقافة التعليم ذاتها من خلال تعزيز المهارات الاجتماعية والعاطفية، وتوفير بيئة تعليمية أقل تنافسية وأكثر دعماً.
ويؤكد الباحثون أن نتائجهم لا تعكس تأثيرات جائحة كوفيد-19 أو التغيرات السياسية اللاحقة إذ كان المشاركون في سن 15 بين عامي 2006 و2007، كما شددوا على أن الدراسة رصدية بطبيعتها ما يعني أنها تُظهر ارتباطاً ولا تثبت علاقة سببية مباشرة.
مع ذلك فإن تتبع آلاف الشباب على مدى سنوات طويلة، وربط تجاربهم الدراسية المبكرة بصحتهم النفسية لاحقاً يسلط الضوء على أهمية التعامل بحذر مع الضغوط التعليمية، خاصة في مرحلة المراهقة الحساسة حيث قد تحدد التجارب المبكرة ملامح الصحة العقلية لسنوات قادمة.