في السنوات الأخيرة، لم تعد الروبوتات حكراً على المصانع أو المختبرات، بل بدأت تشق طريقها إلى مجالات إنسانية حساسة من بينها علاج الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، فمع تزايد أعداد الأطفال المشخَّصين بالتوحد يبحث المختصون عن وسائل مبتكرة تساعد على تحسين مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي وهي من أكثر التحديات التي تواجه هؤلاء الأطفال.
ينجذب كثير من أطفال التوحد للتقنيات والأنماط السلوكية "القابلة للتوقع". وهنا تظهر "الروبوتات الاجتماعية" كأداة واعدة؛ إذ يمكن برمجتها لتقديم استجابات ثابتة وواضحة، بعيداً عن "التعقيد العاطفي" وتعبيرات الوجه المتغيرة التي تصاحب التفاعل البشري. هذا النمط الثابت يخلق بيئة آمنة تشجع الطفل على المشاركة دون ضغط نفسي أو قلق اجتماعي.
استخدام الروبوت لعلاج الأطفال المصابين بالتوحد
تركز التدخلات العلاجية الحديثة على مهارات نمائية محددة، مثل: الانتباه المشترك (Joint Attention)، والتقليد، وتبادل الأدوار. هذه المهارات تشكّل حجر الأساس لتطور اللغة والتفاعل الاجتماعي لاحقاً. ومن خلال جلسات موجهة، يتحول الروبوت إلى "شريك تفاعلي" يساعد الطفل على ممارسة هذه المهارات بطريقة مبسطة، متكررة، وجذابة.
رغم أن استخدام الروبوتات في علاج التوحد بدأ منذ 20 عاماً، فإن الأدلة السريرية القوية كانت محدودة. إلا أن دراسة هامة نُشرت عام 2022 قدمت تقييماً منهجياً يجمع بين النظرية والتطبيق العملي، عبر اختبار فعالية هذا العلاج في بيئات متنوعة.
اعتمدت الدراسة على تجربتين سريريتين للأطفال في سن مبكرة:
التجربة الأولى: شملت 69 طفلاً (متوسط العمر 4.4 سنوات)، خضعوا لـ12 جلسة علاجية باستخدام الروبوت داخل العيادات. أظهرت النتائج أن هذا النمط حقق تطوراً سلوكياً يماثل العلاج التقليدي، مع تسجيل زيادة ملحوظة في "اندماج الأطفال" وتفاعلهم أثناء الجلسات.
تطوير التفاعل الاجتماعي لدى المصابين باضطراب طيف التوحد
التجربة الثانية وسّعت نطاق التطبيق لتشمل بيئات الحياة اليومية، مثل المدارس أو المنازل وشارك فيها 63 طفلاً بمتوسط عمر 5.9 سنوات باستخدام إعدادات أبسط وأكثر قابلية للنقل. وعلى مدار 5 جلسات فقط أظهر الأطفال تحسناً يعادل ما يحققه العلاج القياسي، ما يشير إلى إمكانية استخدام الروبوتات خارج الإطار العلاجي التقليدي.
لا تكمن أهمية العلاج بمساعدة الروبوت في نتائجه فقط، بل أيضاً في مرونته، فالإعدادات البسيطة وقلة التكلفة نسبياً تفتح الباب أمام تعميم هذا الأسلوب في مناطق تفتقر إلى عدد كافٍ من المختصين، كما أن قابلية الروبوتات للبرمجة تتيح تصميم جلسات علاجية تتناسب مع احتياجات كل طفل.
تشير هذه النتائج إلى أن الروبوتات الاجتماعية ليست بديلاً عن المعالجين، بل أداة داعمة يمكن دمجها ضمن برامج التدخل المبكر، ومع تطور التكنولوجيا قد تصبح هذه الروبوتات عنصراً أساسياً في خطط علاج التوحد خاصة للأطفال في المراحل العمرية الأولى.