يواجه بعض الرجال الذين خضعوا لعلاج ورم البروستاتا مفاجأة غير متوقعة بعد سنوات من الجراحة أو العلاج الإشعاعي وهي ارتفاع مستوى مستضد البروستاتا النوعي (PSA) في الدم مرة أخرى، هذا المؤشر البيوكيميائي يُستخدم عادة لمتابعة المرض وارتفاعه قد يكون علامة على عودة الورم حتى لو لم تظهر أي أورام في الفحوصات التقليدية.
هذه الحالة تُعرف طبيًا باسم "الانتكاس البيوكيميائي" وهو وضع شائع نسبياً إذ تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى ثلث الرجال الذين عولجوا من ورم البروستاتا قد يواجهونها لاحقاً، ومع ذلك فإن وجود ارتفاع في PSA لا يعني بالضرورة أن المرض سيصبح خطير سريعاً ما يفتح باب مهم للنقاش حول توقيت بدء العلاج.
فحص البروستاتا
بعد علاج ورم البروستاتا بالجراحة أو الإشعاع يُفترض أن ينخفض مستوى PSA إلى مستويات منخفضة جداً لكن في بعض الحالات يبدأ هذا المؤشر في الارتفاع تدريجياً مع مرور الوقت، في هذه المرحلة لا تظهر عادة أي أعراض لدى المريض كما أن الفحوصات التقليدية مثل التصوير بالرنين المغناطيسي أو مسح العظام قد لا تكشف عن وجود أورام، ومع ذلك يشير ارتفاع PSA إلى احتمال وجود خلايا ورمية صغيرة لا تزال في الجسم.
المثير للاهتمام أن بعض الرجال قد يعيشون سنوات طويلة مع هذا الارتفاع دون أن تتطور حالتهم إلى نقائل ورمية واضحة بل إن بعضهم قد لا يعاني من مضاعفات مرتبطة بالورم طوال حياته.
في السنوات الأخيرة ظهر نوع متقدم من الفحوصات يُعرف باسم مسح PSMA، تعتمد هذه التقنية على استهداف بروتين موجود على سطح خلايا ورم البروستاتا ما يسمح بالكشف عن أورام صغيرة للغاية لا تستطيع وسائل التصوير التقليدية رؤيتها، عند استخدام هذه التقنية قد تظهر بؤر ورمية صغيرة جداً لدى بعض المرضى الذين كانوا سابقاً يُصنفون ضمن حالات الانتكاس البيوكيميائي فقط، لهذا السبب بدأ الأطباء يستخدمون مصطلح جديد هو "الانتكاس البيوكيميائي مع إيجابية PSMA".
هذا التطور التكنولوجي خلق تحدي جديد للأطباء: هل يجب بدء العلاج فور اكتشاف هذه البؤر الصغيرة أم يمكن مراقبة الحالة وتأجيل العلاج؟
العلاج الهرموني لأورام البروستاتا
في الحالات التقليدية من الانتكاس البيوكيميائي يعتمد الأطباء عادة على عدة عوامل قبل اتخاذ قرار العلاج، أحد الأساليب الشائعة هو العلاج الهرموني الذي يثبط هرمون التستوستيرون وهو الهرمون الذي يساعد خلايا ورم البروستاتا على النمو، لكن لأن تطور المرض قد يكون بطيئ جداً يختار بعض الأطباء تأجيل العلاج لفترة خاصة إذا كان المريض لا يعاني من أعراض وكان ارتفاع PSA يحدث ببطء.
مع ظهور مسح PSMA أصبح بعض الأطباء يميلون إلى العلاج المبكر نظراً لأن الفحص يكشف بالفعل عن بؤر ورمية صغيرة، وفي بعض الحالات قد يتم استخدام مزيج قوي من العلاجات الهرمونية رغم أن هذه الأدوية قد تسبب آثار جانبية مزعجة مثل التعب وفقدان الكتلة العضلية واضطرابات المزاج.
ناقش باحثون في مجلة Harvard Health Publishing عام 2023، هذه القضية المتزايدة الأهمية، مشيرين إلى أن العديد من المرضى الذين تظهر لديهم بؤر صغيرة في مسح PSMA قد لا يواجهون خطر وشيك من المرض.
وأوضح الباحثون أن بعض هذه الآفات قد تبقى مستقرة لفترات طويلة دون أن تنمو بشكل ملحوظ، كما أن البيانات المتوفرة حتى الآن لا تثبت بشكل قاطع أن علاج الانتكاس البيوكيميائي المبكر يطيل عمر المرضى رغم أنه قد يؤخر تقدم المرض أو يبطئ ارتفاع PSA، هذا يعني أن العلاج الفوري قد يضيف سنوات من الآثار الجانبية دون فائدة واضحة في بعض الحالات.
يؤكد الخبراء أن قرار بدء العلاج يجب أن يكون فردي ويأخذ عدة عوامل في الاعتبار من أهمها عمر المريض وصحته العامة إذ قد يموت بعض المرضى الأكبر سناً لأسباب أخرى قبل أن يصبح الورم مشكلة حقيقية، كما يلعب معدل ارتفاع PSA دور مهم فالمرضى الذين يتضاعف لديهم مستوى PSA بسرعة أكبر يكونون أكثر عرضة لتطور المرض خلال فترة قصيرة وقد يكون العلاج المبكر مناسب لهم، أما إذا كان الارتفاع بطيئ فيمكن غالباً مراقبة الحالة بانتظام دون بدء العلاج فوراً.
عدد الأورام التي تظهر في مسح PSMA يمثل عاملاً آخر، فإذا كانت البؤر قليلة قد يختار بعض الأطباء علاجها بالإشعاع الموضعي بينما يفضل آخرون الاستمرار في المراقبة.