تشير الأبحاث العلمية المتراكمة إلى أن السنوات الأولى من الحياة تمثل مرحلة حاسمة في تشكيل بنية الدماغ ووظائفه. ففي هذه الفترة لا يعتمد نمو دماغ الرضيع على العوامل البيولوجية وحدها، بل يتأثر بقوة بالبيئة النفسية والاجتماعية المحيطة به وبقدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها الأساسية بشكل يومي.
ضغوط على الوالدين
غالباً ما تتعرض الأسر لضغوط متداخلة في الوقت نفسه مثل: الضغوط المالية وأعباء الرعاية، وعدم الاستقرار المعيشي. هذا التداخل يجعل من الصعب تحديد أي العوامل أكثر تأثير على نمو دماغ الطفل؛ لذلك بات من الضروري النظر إلى البيئة الأسرية كشبكة مترابطة من الظروف وليس كمجموعة عوامل منفصلة.
في هذا السياق، قدمت دراسة حديثة منظوراً مختلفاً عبر تحليل تفاعل الظروف الأسرية معاً بدلاً من دراستها كلّ على حدة. الدراسة، التي أُجريت عام 2024 ونُشرت في مجلة "PNAS"، قادها باحثون من (Boston Children’s Hospital)، واعتمدت على منهج شبكي يحدد العوامل الأكثر تأثيراً في نمو دماغ الرضع خلال عامهم الأول.
تابع فريق البحث أُسراً خلال زيارات روتينية للأطفال في أعمار 4 و9 و12 شهراً داخل عيادة رعاية أولية تخدم في الغالب مجتمعات منخفضة الدخل. وخلال هذه الزيارات، طُلب من الآباء الإجابة عن استبيانات قصيرة حول دخل الأسرة ومدى كفايته لتلبية الاحتياجات ومستويات التوتر لدى مقدمي الرعاية. وفي الوقت نفسه، سُجل نشاط دماغ الرضع باستخدام "تخطيط كهربائية الدماغ" (EEG)، وهو فحص آمن وغير جراحي استغرق دقائق قليلة.
نمو دماغ الرضع
عند تحليل البيانات كشبكة مترابطة من الضغوط، برز عامل واحد بوصفه الأكثر تأثيراً في نمو دماغ الرضع: شعور مقدمي الرعاية بكفاية الدخل؛ فالأسر التي أفادت بأن دخلها لا يكفي لتلبية احتياجاتها الأساسية كانت أكثر عرضة لضغوط مالية، ومستويات تعليم أقل، وتجارب حياتية سلبية أكثر.
أظهرت القياسات أن الرضع الذين نشأوا في أسر تعاني من عدم كفاية الدخل، أظهروا علامات على تأخر نضج الدماغ خلال عامهم الأول. وكان هذا التأخر واضحاً في أنماط نشاط "موجات ألفا وبيتا" في الدماغ، وهي مؤشرات معروفة بارتباطها بالنمو العصبي المبكر والقدرات المعرفية لاحقاً.
يرجح الباحثون أن تلبية الاحتياجات الأساسية تؤثر على نمو الدماغ عبر مسارات متعددة، تشمل: التغذية، واستقرار السكن، ومستويات التوتر لدى الوالدين، وقدرتهم على التفاعل الإيجابي مع أطفالهم. فعندما تعاني الأسرة من ضغط مالي مزمن قد يقل الوقت والطاقة المتاحان للأنشطة الداعمة للتعلم المبكر مثل اللعب والتواصل اللغوي والتفاعل الاجتماعي.
تسلط نتائج الدراسة الضوء على أن نمو دماغ الرضيع يتشكل من خلال التجارب اليومية البسيطة داخل الأسرة، وليس فقط من خلال العوامل الوراثية. كما تعزز أهمية السياسات والبرامج التي تدعم الاستقرار المالي للأسر خلال السنة الأولى من حياة الطفل؛ لما قد تحمله من فوائد طويلة الأمد على النمو العصبي والمعرفي.