علاقة خفية بين أواني الطهي وإصابة الأطفال بأمراض الكبد

تتزايد المخاوف الصحية حول تأثير الملوثات البيئية الحديثة على الأطفال والمراهقين، خاصة تلك المواد التي تُعرف بقدرتها على البقاء طويلاً في البيئة وأجسام البشر، ومن بين هذه الملوثات تبرز "المواد الكيميائية الدائمة" كعامل محتمل في ظهور أمراض مزمنة في سن مبكرة على رأسها أمراض الكبد المرتبطة باضطرابات التمثيل الغذائي. 

ما هو مرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي؟

يُعرف مرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي (MASLD) بأنه حالة مزمنة تتراكم فيها الدهون داخل خلايا الكبد. يصيب المرض نحو 10% من الأطفال وترتفع النسبة إلى قرابة 40% بين الأطفال المصابين بالسمنة.

وغالباً ما يتطور بصمت مع أعراض غير محددة مثل الإرهاق أو آلام البطن، لكنه يزيد على المدى الطويل من خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وأمراض القلب وتليف الكبد وحتى ورم الكبد.

ارتفاع ضغط الدم أخطر على مرضى الكبد الدهني من السكريعلاقة المواد الكيميائية بالكبد الدهني 

المواد الكيميائية الدائمة خطر غير مرئي

تشمل المواد الكيميائية الدائمة مركبات صناعية تُعرف بـ (PFAS) وتُستخدم على نطاق واسع في أواني الطهي غير اللاصقة، والأقمشة المقاومة للماء والبقع، ومواد تغليف الأغذية وبعض منتجات التنظيف.

وتمتاز هذه المركبات بقدرتها على مقاومة التحلل؛ ما يؤدي إلى تراكمها في البيئة وأجسام البشر، وتشير البيانات إلى أن الغالبية العظمى من السكان لديهم مستويات قابلة للقياس من هذه المواد في الدم.

لماذا المراهقون أكثر عرضة للمشاكل الصحية؟

تمثل مرحلة المراهقة فترة حساسة من النمو و التغيرات الهرمونية والتمثيل الغذائي، وخلال هذه المرحلة قد يكون الجسم أكثر قابلية للتأثر بالعوامل البيئية الضارة. فيما يرى باحثون أن التعرض المبكر للمواد الكيميائية الدائمة قد يضع الأساس لمشكلات صحية تمتد طوال العمر خاصة تلك المرتبطة بالكبد والتمثيل الغذائي.

الدراسة في سياقها العلمي

في هذا الإطار، كشفت دراسة أُجريت عام 2024 ونُشرت في مجلة
"Environmental Research "عن ارتباط واضح بين ارتفاع مستويات نوعين شائعين من (PFAS) في الدم وزيادة خطر الإصابة المبكرة بمرض (MASLD) لدى المراهقين. الدراسة اعتمدت على فحوصات دم دقيقة وتصوير بالرنين المغناطيسي لتقييم دهون الكبد.

نتائج لافتة ومؤشرات مقلقة للدراسة

أظهرت النتائج أن المراهقين الذين لديهم مستويات أعلى من مركبات مثل (PFOA) و(PFHpA) كانوا أكثر عرضة للإصابة بمرض الكبد الدهني؛ حيث تضاعف الخطر تقريباً "3 مرات" لدى من ارتفعت لديهم هذه المواد في الدم. كما بيّنت الدراسة أن العوامل الوراثية -مثل وجود متغير جيني معين- ونمط الحياة، كالتدخين في سن الشباب، يمكن أن تزيد من حدة التأثيرات السلبية لهذه المواد.

التلوث بالمواد الكيميائية الاصطناعيةالتلوث بالمواد الكيميائية يؤثر على نمو الأطفال

تداخل البيئة والجينات ونمط الحياة

تشير هذه النتائج إلى أن خطر الإصابة بمرض الكبد الدهني لا يعتمد على عامل واحد فقط، بل هو نتاج تفاعل معقد بين التعرض البيئي والاستعداد الوراثي والسلوكيات الصحية. هذا الفهم المتكامل قد يفتح الباب أمام استراتيجيات وقائية أدق تُعرف باسم "الصحة البيئية الدقيقة" تستهدف الفئات الأكثر عرضة للخطر في الوقت المناسب.

دلالات صحية أوسع

تسلط هذه المعطيات الضوء على أهمية تقليل التعرض للمواد الكيميائية الدائمة في سن مبكرة سواء عبر السياسات البيئية أو التوعية الصحية لما لذلك من دور محتمل في الحد من أمراض الكبد والمشكلات الأيضية مستقبلاً، خاصة خلال المراحل الحساسة من نمو الكبد.