في لحظات الغضب أو التوتر قد ينفلت من أفواهنا لفظ نعدّه اجتماعياً غير لائق، ثم نندم عليه سريعاً، لكن العلم بدأ ينظر إلى هذه العادة اليومية من زاوية مختلفة تماماً، إذ تشير أبحاث نفسية حديثة إلى أن السبّ ليس مجرد تنفيس لفظي، بل قد يكون أداة ذهنية فعّالة تعزز الأداء البدني وتدفع الإنسان لتجاوز حدوده.
كثيراً ما يتراجع الناس خطوة إلى الخلف قبل بذل أقصى جهدهم سواء في الرياضة أو في المواقف التي تتطلب قوة أو تحمّلاً. هذا التراجع لا يكون دائماً جسدياً بل نفسياً في المقام الأول ومرتبط بالقيود الاجتماعية والخوف من الفشل أو الإحراج، هنا يأتي دور السبّ الذي يعمل بحسب باحثين كزرّ تعطيل مؤقت لهذه القيود.
فوائد ممارسة الرياضة على الصحة النفسية
يشير علماء النفس إلى أن التلفظ بكلمات محرّمة اجتماعياً يضع الدماغ في حالة من "رفع الكبح"، حيث يقل التركيز على الرقابة الذاتية ويزداد الإحساس بالتحرر. هذه الحالة الذهنية قد تمنح الشخص شعوراً أكبر بالثقة والتركيز؛ ما يسمح له بدفع جسده إلى مستويات أعلى من الجهد البدني.
ضمن هذا السياق نُشرت دراسة في "American Psychologist" بتاريخ 18 ديسمبر 2025، تناولت العلاقة بين السبّ والأداء البدني، فالدراسة التي جاءت امتداداً لأبحاث سابقة وجدت أن الأشخاص الذين يشتمون أو يسبون أثناء أداء تمارين مجهدة يستطيعون الاستمرار لفترة أطول مقارنة بمن يكررون كلمات محايدة. هذا التأثير لم يكن عابراً بل تكرر في اختبارات مختلفة لقياس القوة والتحمل.
شارك في التجارب نحو 192 شخصاً طُلب منهم أداء تمرين يعتمد على تحمل وزن الجسم مع ترديد كلمة كل ثانيتين بعضهم اختار كلمة نابية فيما التزم آخرون بكلمة محايدة. بعد انتهاء التمرين أجاب المشاركون عن أسئلة تقيس حالتهم الذهنية أثناء الأداء بما في ذلك مستوى التركيز والثقة بالنفس، ومدى الشعور بالتشتت أو الاندماج في المهمة.
السبّ كوسيلة لكسر الحواجز النفسية
أحد المفاهيم المحورية التي ظهرت في النتائج هو ما يُعرف بـ"الحالة الذهنية المتدفقة" وهي حالة يشعر فيها الشخص بالاندماج الكامل في النشاط الذي يؤديه مع إحساس إيجابي بالسيطرة والمتعة، وأظهرت البيانات أن السبّ ساهم في تعزيز هذه الحالة، إلى جانب زيادة الثقة بالنفس، وتقليل التردد وهي عناصر أساسية لتحسين الأداء.
لا تقتصر دلالات هذه النتائج على التمارين البدنية فقط، فالباحثون يرون أن السبّ قد يكون مفيداً في أي موقف يتطلب التغلب على التردد مثل التحدث أمام الجمهور أو الإقدام على خطوة اجتماعية جريئة. الفكرة الأساسية أن الكلمة النابية تعمل كإشارة نفسية تسمح للعقل بتجاوز "لفرامل" الداخلية مؤقتاً.
من المثير أن هذه "القوة الخارقة" لا تحتاج إلى تدريب خاص أو أدوات معقدة، فهي كما يصفها الباحثون وسيلة مجانية بلا سعرات حرارية، ولا آثار جانبية دوائية ومتاحة للجميع، ورغم أن السياق الاجتماعي يظل مهماً فإن الاستخدام الواعي لها في المواقف المناسبة قد يمنح دفعة أداء غير متوقعة.