يمثل الغذاء عنصراً حاسماً في رحلة علاج مرضى الأورام ليس فقط لدعم الجسم بالطاقة بل لحمايته من مخاطر قد تكون قاتلة في فترات ضعف المناعة، وخلال العلاج المكثف خصوصاً في أورام الدم يصبح الجهاز المناعي أكثر هشاشة، ما يجعل أي عدوى حتى تلك القادمة من الطعام تهديداً مباشراً لحياة المريض.
العلاج الكيميائي وزراعة الخلايا الجذعية قد يؤديان إلى انخفاض شديد في خلايا الدم البيضاء الواقية وهي حالة تُعرف بـ"نقص العدلات". في هذه المرحلة تصبح البكتيريا الموجودة في بعض الأطعمة غير المطهية أو غير المبسترة قادرة على التسبب في التهابات خطيرة غالباً ما تنشأ من الجهاز الهضمي؛ لذلك يلجأ الأطباء إلى نظم غذائية صارمة تقلل التعرض للميكروبات المنقولة عبر الغذاء.
العلاج الكيميائي يسبب انخفاض خلايا الدم البيضاء
على مدى عقود طُلب من مرضى أورام الدم تجنب الفواكه والخضروات النيئة، ومنتجات الألبان غير المبسترة، والبروتينات الحيوانية غير المطهية جيداً لكن مع تطور الرعاية الداعمة تساءل بعض الأطباء عما إذا كان هذا النظام الصارم مبالغاً فيه، وقد يحد من تنوع الغذاء ويؤثر سلباً على الحالة التغذوية خاصة مع فقدان الشهية والغثيان المصاحبين للعلاج.
في خضم هذا الجدل جاءت دراسة واسعة النطاق لتقدم إجابة حاسمة، نُشرت النتائج في مجلة "Journal of Clinical Oncology" عام 2025، وأظهرت أن الالتزام بنظام غذائي يحد من التعرض لميكروبات الطعام يقلل بالفعل من خطر الإصابة بالعدوى الخطيرة لدى المرضى في المستشفى لمراقبة حالتهم وعلاج أورام الدم.
أهمية هذه النتائج دفعت الباحثين إلى إيقاف التجربة مبكراً حفاظاً على سلامة المشاركين.
شملت الدراسة أكثر من 200 مريض من المصابين بأورام الدم خلال فترات العلاج الكيميائي أو زراعة الخلايا الجذعية، جرى توزيعهم عشوائياً على نظامين غذائيين: نظام صارم يمنع الفواكه والخضروات الطازجة، وآخر أكثر مرونة يسمح بتناول حصة يومية منها مع الزبادي المبستر، تم تتبع كل ما يتناوله المرضى من طعام وشراب بدقة عالية بمشاركة فرق تمريض وأخصائيي تغذية.
النظام الغذائي المخصص لمرضى أورام الدم
عند تحليل البيانات تبين أن المرضى الذين اتبعوا النظام الغذائي المرن كانوا أكثر عرضة للإصابة بعدوى خطيرة مقارنةً بمن التزموا بالنظام المقيد، هذا الفارق تجاوز الحد المقبول الذي حدده الباحثون مسبقاً، ما أكد أن تخفيف القيود الغذائية في هذه المرحلة الحساسة قد يعرّض المرضى لمخاطر حقيقية.
ورغم تأكيد فعالية النظام الوقائي كشفت الدراسة تحدياً آخر: معظم المرضى في كلا المجموعتين لم يحصلوا على سعرات حرارية كافية، ويُعزى ذلك إلى الآثار الجانبية للعلاج مثل الغثيان وفقدان الشهية. هذا الواقع يسلط الضوء على الحاجة إلى استراتيجيات مبتكرة تحسّن التغذية دون المساس بسلامة المرضى.
تشير الأدلة الحالية إلى أن النظام الغذائي الوقائي يظل الخيار الأكثر أماناً خلال فترات العلاج المكثف لأورام الدم، وفي الوقت نفسه يستمر البحث عن حلول توازن بين الوقاية من العدوى ودعم الحالة التغذوية مع إدراك الأهمية المتزايدة لصحة الأمعاء ونتائج العلاج على المدى الطويل.