يواجه كثيرون معضلة يومية مألوفة: ليلة نوم قصيرة أو متقطعة ومنبه يرن في الصباح معلنًا موعد التمرين، هل تتجاهل الإحساس بالإرهاق وتذهب لممارسة الرياضة، أم تمنح جسدك دقائق إضافية من النوم؟ هذا السؤال البسيط شغل بال باحثين حاولوا فهم العلاقة المعقدة بين النوم و النشاط البدني وما إذا كان أحدهما يستحق الأولوية عند الاضطرار للاختيار.
دراسة حديثة نُشرت في مجلة "Communications Medicine" تابعت قرابة 71 ألف شخص على مدى أكثر من 3 سنوات باستخدام أجهزة تقيس النوم والنشاط اليومي. النتائج كانت لافتة: من حصلوا على قسط كافٍ من النوم أي بين 7-9 ساعات كانوا أكثر نشاطاً في اليوم التالي، كما أن النوم الجيد لم يُقصِ الرياضة من جدولهم، بل على العكس بدا وكأنه يفتح الباب أمام مزيد من الحركة.
في المقابل، الأشخاص الذين ناموا أقل أو تأخروا في الخلود إلى النوم سجلوا عدد خطوات أقل في اليوم التالي. الفارق كان واضحاً، فمتوسط الخطوات لدى من ناموا جيداً اقترب من 8 آلاف خطوة يومياً، بينما لم يتجاوز 5 آلاف خطوة لدى من عانوا من قلة النوم.
النوم الجيد يعني نشاط أكبر
يوضح الباحثون أن النوم الجيد يعزز الطاقة والدافعية، وهما عنصران أساسيان لممارسة أي نشاط بدني، كما أن قلة النوم تُضعف التركيز وتزيد الشعور بالإجهاد، ما يجعل الحركة أقل جاذبية في اليوم التالي. اللافت أن الدراسة وجدت أن العكس ليس صحيحاً بالقدر نفسه: عدد الخطوات في يوم ما لم يؤثر كثيراً في جودة النوم في الليلة التالية.
أطباء لم يشاركوا في الدراسة رأوا أن هذه النتائج منطقية، فالنوم و الرياضة يؤثران معاً في المناعة والمزاج والتمثيل الغذائي لكن تأثير النوم يُعد أعمق وأسرع.
تشير تحليلات منشورة في مجلة "Sleep Medicine Reviews" إلى أن الحرمان من النوم يخل بتوازن الهرمونات المنظمة للشهية والطاقة ويقوض أي فائدة محتملة من التمرين.
أحد أطباء طب النوم شبّه محاولة تعويض قلة النوم بالرياضة بمحاولة إنقاذ قارب مثقوب: الجهد موجود لكن النتائج محدودة. في حال النوم 5 أو 6 ساعات فقط قد يكون العودة إلى السرير خياراً صحياً أكثر من إجبار الجسد على تمرين مرهق.
أضرار قلة النوم
بالطبع لا، الفكرة ليست المفاضلة الدائمة بين النوم والرياضة بل ترتيب الأولويات عند الضرورة، حتى في الأيام التي يُفضَّل فيها النوم تبقى هناك فرص للحركة الخفيفة، فتمرين مدته 15 دقيقة وصعود الدرج بدل المصعد أو بضع دقائق من تمارين الإطالة يمكن أن تُحدث فرقًا.
تشير دراسات في مجلة "British Journal of Sports Medicine" إلى أن "التمارين القصيرة" أو ما يُعرف بالـ"micro-workouts" لها فوائد ملموسة خاصة إذا تكررت على مدار اليوم، المهم هو عدم تحويل اختيار النوم إلى عادة دائمة على حساب النشاط البدني.
اختيار النوم على حساب التمرين قد يكون القرار الصحيح أحياناً خاصة بعد ليلة سيئة، لكن إذا أصبح ذلك نمطاً متكرراً، فقد يكون الحل في إعادة تنظيم الجدول اليومي لإتاحة وقت كافٍ لكليهما، النوم الجيد يعزز القدرة على الحركة والرياضة المنتظمة تدعم جودة النوم ما يجعل العلاقة بينهما تكاملية لا تنافسية.