"بعد ولادة طفلي الأول مباشرة كنت أظن أنني مستعد تماماً للأبوة قرأت الكتب وأعرف أهمية التلامس الجسدي ولدي خبرة مهنية في رعاية الأطفال، لكن بعد أيام قليلة فقط انقلب عقلي عليّ بدأت تراودني أفكار مزعجة ومخيفة صور ذهنية قهرية يظهر فيها طفلي يتعرض للأذى بسببي رغم أنني كنت حريصاً عليه إلى أقصى درجة" تجربة سردها أحد الأباء إلى مجلة "what to expect".
الأفكار المزعجة هي أفكار غير مرغوب فيها متكررة وغالباً ما تكون مخيفة أو صادمة لا تعكس رغبة حقيقية، لكنها تظهر فجأة وتفرض نفسها على الذهن، كثير من الآباء والأمهات يخجلون من الاعتراف بها خوفاً من إساءة الفهم أو الوصم فيصمتون ويعانون وحدهم.
أفكار مزعجة تصيب الرجال حول الأبوة
تشير دراسات منشورة في مجلة "BMC Psychiatry" إلى أن الغالبية العظمى من الأمهات بعد الولادة يمررن بأفكار مزعجة تتعلق بإيذاء الطفل أو تعرضه للخطر كما أن نسبة كبيرة من الآباء يختبرون الأمر نفسه. التغيرات الهرمونية وقلة النوم والمسؤولية المفاجئة عن حياة إنسان ضعيف كلها عوامل تجعل الدماغ في حالة تأهب دائم.
كما أن ثقافة المراقبة المفرطة للرضع من متابعة التنفس، إلى حساب عدد الرضعات والحفاضات تعزز الشعور بأن الطفل "هش للغاية" فيبدأ العقل في استحضار أسوأ السيناريوهات الممكنة كوسيلة وقائية مبالغ فيها.
يؤكد مختصون في علم النفس أن هذه الأفكار ليست دليلاً على نية حقيقية أو خطر وشيك، على العكس القلق من وجودها غالباً ما يعني أن الوالد أو الوالدة شديدا الحرص، فالعقل هنا "يتدرب" على ما يجب تجنبه لا على ما يريد فعله.
أهمية التواصل مع الأبناء على صحتهم النفسية
من الأخطاء الشائعة أن يحاول الوالد القلق الابتعاد عن الطفل لتقليل التوتر، لكن الخبراء يرون أن العكس هو الصحيح، قضاء وقت أطول مع الطفل وحمله والاعتناء به يمثل نوعاً من "التعرض الآمن" الذي يضعف قوة الأفكار ويعيد الثقة بالنفس، فالتجربة اليومية تثبت أن الأفكار مجرد أفكار وأن الكارثة المتخيلة لا تحدث.
محاولة طرد الفكرة أو مقاومتها بشدة تجعلها أكثر إلحاحاً. الأفضل هو الاعتراف بوجودها دون الذعر منها ثم تذكير النفس بأنها فكرة عابرة لا أكثر، يمكن كتابة هذه الأفكار أو التحدث عنها مع شخص موثوق أو مع مختص نفسي لتفريغها من شحنتها.
ينصح بعض المختصين بتقنيات تهدئة الجهاز العصبي مثل التنفس العميق بنمط 4-7-8 أو تمارين التركيز على الحواس للحضور في اللحظة الحالية، وعبارات تأكيدية مثل "أنا والد محب وقادر" تساعد أيضاً في إعادة التوازن النفسي.
مع الوقت يدرك كثير من الآباء أن الأطفال أكثر مرونة مما يبدو، السقوط البسيط أو البكاء لا يعني كارثة هذا الإدراك لا يلغي الحذر، لكنه يخفف الشعور بالعجز والخوف المستمر.
بالنسبة لمعظم الآباء تخف الأفكار المزعجة تدريجياً مع بناء الثقة والتواصل اليومي مع الطفل، ومع الدعم المناسب والرحمة بالنفس تتحول تلك الأفكار من صرخات مزعجة إلى همسات ثم تختفي تاركة مساحة أكبر للطمأنينة والاستمتاع بالأبوة.