لم تعد أدوية السكري تقتصر على ضبط مستويات الجلوكوز في الدم فحسب، بل تكشف أبحاث علمية حديثة عن أدوار أوسع تمتد إلى حماية الكلى والقلب وإبطاء مظاهر التدهور المرتبطة بالتقدم في العمر، فبينما يواجه ملايين المرضى حول العالم مخاطر الفشل الكلوي وأمراض الأوعية الدموية، يبرز نوع من الأدوية الشائعة بوصفه عاملاً محتملاً في الحفاظ على حيوية الكلى لفترة أطول حتى لدى غير المصابين بالسكري.
شيخوخة الكلى مع التقدم في العمر
مع مرور السنوات، تتعرض الكلى لتغيرات تدريجية تشمل تراجع كفاءة الترشيح، وفقدان بعض الأوعية الدموية الدقيقة، وارتفاع مستويات الالتهاب داخل الأنسجة، إضافة إلى اضطرابات في إنتاج الطاقة داخل الخلايا.
هذه التحولات لا ترتبط بالشيخوخة فقط بل تتشابه أيضاً مع أنماط التدهور المصاحبة للأمراض المزمنة، ما يجعل البحث عن وسائل إبطاء هذه العملية هدفاً علمياً متزايد الأهمية.
اعتمد باحثون دوليون على نموذج غير تقليدي في دراسة شيخوخة الكلى وهو "سمك الكيلي فِش الفيروزي الإفريقي"، أحد أسرع الفقاريات شيخوخة في العالم؛ إذ لا يتجاوز عمره عدة أشهر. هذه المدة القصيرة تمنح العلماء فرصة نادرة لمراقبة عقود من التغيرات البيولوجية خلال فترة زمنية وجيزة وهو ما يصعب تحقيقه في نماذج حيوانية أطول عمراً مثل الفئران.
وأظهرت الملاحظات أن كلى هذه الأسماك تمر بتغيرات شبيهة بتلك التي تصيب البشر مع التقدم في السن، مثل تآكل الحاجز الترشيحي وتراجع شبكة الشعيرات الدموية، وزيادة الالتهابات الخلوية إلى جانب اضطراب إنتاج الطاقة داخل الخلايا.
في 30 يناير 2026 نُشرت رسالة بحثية في مجلة Aging Cell تناولت تأثير مثبطات ناقل الصوديوم–الجلوكوز من النوع الثاني (SGLT2 inhibitors)، وهي فئة دوائية مستخدمة على نطاق واسع في علاج السكري وأمراض القلب والكلى المزمنة. الدراسة لم تركز على خفض السكر فقط، بل بحثت في كيفية تأثير هذه الأدوية على بنية الكلى ووظيفتها مع التقدم في العمر.
ووجد الباحثون أن الأسماك التي تلقت الدواء احتفظت بكلى أكثر صحةً مقارنةً بغير المعالجة، إذ حافظت على كثافةٍ أعلى من الشعيرات الدموية وحاجز ترشيحٍ أقوى، إضافةً إلى استقرارٍ أفضل في إنتاج الطاقة داخل الخلايا، كما لوحظ انخفاض في مؤشرات الالتهاب الجيني، وتحسن في التواصل بين أنواع الخلايا المختلفة داخل النسيج الكلوي.
دراسة عن أدوية السكر وترشيح الكلى
الحفاظ على الأوعية والطاقة الخلوية
من أبرز الملاحظات في النماذج غير المعالجة كان الفقدان التدريجي للأوعية الدموية الدقيقة، وهو ما يدفع الخلايا إلى الاعتماد على مسارات طاقةٍ أقل كفاءةً، في المقابل أظهرت النماذج المعالجة بالدواء أنماطاً جينيةً أقرب إلى الكلى "الأصغر عمراً" مع نشاطٍ أيضيٍ أفضل، ومستوياتٍ أقل من الالتهاب، ما يفسر لماذا تتجاوز فوائد هذه الأدوية حدود التحكم في الجلوكوز وحده.
تسريع أبحاث الشيخوخة
يمنح هذا النموذج الحيواني السريع الشيخوخة الباحثين أداةً فعالةً لاختبار العلاجات خلال شهورٍ بدل سنواتٍ، مع الحفاظ على صلةٍ وثيقةٍ بصحة الإنسان، وتشير النتائج إلى إمكانية استخدام الأدوية المتاحة حالياً بطرقٍ أوسع لدعم مرونة الأعضاء الحيوية، خاصةً الكلى، قبل الانتقال إلى تجارب سريريةٍ بشريةٍ أوسع نطاقاً.