نسيان الأطفال في السيارات.. إهمال أم متلازمة نفسية يفسرها العلم؟

في الأيام الأخيرة، أثارت حوادث وفاة أطفال داخل السيارات حالة من الصدمة والحزن حول العالم، خاصة أن المتسببين في الحادث أحد الوالدين فكيف يمكن لأب أو أم أن يتركوا طفلهم داخل سيارة مغلقة في طقس حار؟ وبينما يتجه الاتهام سريعاً نحو الإهمال، يشير علماء النفس والأعصاب إلى تفسير أكثر تعقيداً يُعرف باسم "متلازمة الطفل المنسي"، وهي ظاهرة قد تصيب حتى الآباء الأكثر حباً وحرصاً على أبنائهم. فما حقيقة هذه المتلازمة؟ وكيف يفسر العلم وقوع مثل هذه المآسي؟

ما هي متلازمة الطفل المنسي؟

تُعرف "متلازمة الطفل المنسي" (Forgotten Baby Syndrome) بأنها حالة يفقد فيها الشخص إدراكه الكامل لوجود طفل داخل السيارة، رغم نيته المسبقة الاعتناء به أو اصطحابه إلى وجهة محددة مثل الحضانة أو المدرسة.

ويعد عالم النفس والأعصاب الأمريكي ديفيد دايموند، أستاذ علم النفس بجامعة جنوب فلوريدا، من أبرز الباحثين الذين درسوا هذه الظاهرة. ووفقًا لأبحاثه، فإن الدماغ يعتمد على نظامين متنافسين للذاكرة: نظام العادات الذي يدير السلوكيات الروتينية بشكل تلقائي، ونظام الذاكرة الاستباقية المسؤول عن تذكر المهام المخطط لها مسبقًا.

كيف يحدث النسيان؟

يوضح دايموند بحسب الدارسة التي نشرها شبكة "ABB News" أن التوتر الشديد، وقلة النوم، والإرهاق الذهني، و التغييرات المفاجئة في الروتين اليومي قد تؤدي إلى سيطرة "نظام العادات" على الدماغ. وفي هذه الحالة قد يقود الأب أو الأم السيارة إلى العمل بالطريق المعتاد، ناسيًا التوقف عند الحضانة كما كان مخططًا.

الأخطر من ذلك أن الدماغ قد يكوّن ما يشبه "الذكرى الزائفة"، فيعتقد الشخص أنه أنجز المهمة بالفعل، بينما لا يزال الطفل داخل السيارة.

ماذا تقول الدراسات؟

تشير دراسة تناولت هذه الظاهرة في الولايات المتحدة إلى أن 73% من حوادث ترك الأطفال داخل السيارات كانت نتيجة نسيان الطفل من قبل شخص بالغ، وأن نصف هذه الحالات تقريباً ارتبطت بعدم إدراك وجود الطفل داخل المركبة. كما أظهرت البيانات أن معظم المتورطين كانوا يتمتعون بصحة عقلية و إدراكية طبيعية.

ويرى الباحثون أن هذه الحوادث لا ترتبط بالضرورة باضطرابات نفسية أو عقلية، بل قد تكون نتيجة خلل مؤقت في آليات الذاكرة العاملة تحت تأثير الضغوط اليومية.

كيف يمكن الوقاية؟

ينصح خبراء السلامة بوضع حقيبة الطفل أو إحدى متعلقاته في المقعد الأمامي كتذكير دائم بوجوده. كما يمكن وضع الهاتف المحمول أو الحقيبة الشخصية في المقعد الخلفي لإجبار السائق على الالتفات قبل مغادرة السيارة.

وتساعد أنظمة التنبيه الحديثة الموجودة في بعض السيارات على تقليل هذا الخطر من خلال تنبيه السائق عند وجود طفل أو راكب في المقاعد الخلفية.

بين الإهمال والذاكرة البشرية

رغم أن نتائج هذه الحوادث تكون مأساوية، فإن عدداً متزايداً من الخبراء يدعو إلى فهمها من منظور علمي أوسع. فبحسب الدراسات الحالية، قد يكون نسيان الطفل داخل السيارة في بعض الحالات نتيجة هفوة نادرة في عمل الذاكرة البشرية، وليست بالضرورة دليلاً على غياب الحب أو المسؤولية.

ومع استمرار الأبحاث في هذا المجال، يبقى الوعي بخطورة الظاهرة واتخاذ إجراءات وقائية بسيطة أفضل وسيلة لحماية الأطفال ومنع تكرار هذه المآسي.