مع الارتفاع المستمر في معدلات الإصابة بمرض السكري عالمياً، لم تعد مضاعفاته تقتصر على القلب والأعصاب والأوعية الدموية، بل امتدت لتشمل الصحة الإنجابية للرجال. إذ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن السكري يؤثر مباشرة في وظيفة الخصيتين ويُحدث خللاً في البيئة الدقيقة المسؤولة عن إنتاج الحيوانات المنوية، ما يرفع من خطر ضعف الخصوبة أو العقم لدى المرضى.
تأثير مرض السكري على الخصية
إذا كنت تتساءل كيف يضر السكري الخصية؟ نقول لك إن اضطراب الخصية السكري يتربط بعدة عوامل مرضية متداخلة، أبرزها ارتفاع سكر الدم المزمن والإجهاد التأكسدي، والالتهاب المستمر، واضطراب عمل الميتوكوندريا وتراكم نواتج الغلكزة المتقدمة (AGEs). هذه العوامل تُخلّ بوظيفة الخلايا الداعمة داخل الخصية وتؤثر في إفراز الهرمونات، كما تُضعف الحاجز الدموي-الخصوي الذي يحمي الخلايا المنوية أثناء تطورها.
علاقة مرض السكري بتكوين الحيوانات المنوية
في مراجعة علمية نُشرت عام 2024 جرى تلخيص أحدث ما توصلت إليه الأبحاث السريرية والتجريبية حول تأثير السكري بنوعيه الأول والثاني على تكوين الحيوانات المنوية، ورغم أن معظم الأدلة جاءت من دراسات ما قبل السريرية فإنها تقدم فهماً أعمق للآليات المرضية، وتفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مستقبلية تستهدف الخصوبة الذكرية لدى مرضى السكري.
أظهرت النتائج أن السكري يُقلل حجم السائل المنوي، وعدد الحيوانات المنوية وتركيزها وحركتها، مع زيادة ملحوظة في تكسّر الحمض النووي وتشوه الشكل، ويبدو أن السكري من النوع الأول يؤثر بشكل أوضح في الحركة التقدمية للحيوانات المنوية، بينما يرتبط النوع الثاني بانخفاض التركيز وزيادة الخلايا المنوية المبرمجة للموت. ويرجع ذلك إلى الالتهاب المزمن واضطراب الأيض داخل خلايا سيرتولي، وهي خلايا من الأنبوب الناقل للمني في الخصية وهي تحضن الخلايا المنوية.
يُعد الحاجز الدموي-الخصوي عنصراً أساسياً لحماية الخلايا المنوية من العوامل الضارة، إلا أن ارتفاع السكر وتراكم (AGEs) يؤديان إلى إضعاف الروابط بين خلايا سيرتولي وزيادة نفاذية الحاجز؛ ما يسمح بتسرب مواد التهابية وسامة تُعرقل عملية تكوين الحيوانات المنوية وتُضعف جودتها.
السكري واضطراب الهرمونات الذكرية
لا يقتصر تأثير السكري على الخلايا المنوية فحسب، بل يمتد إلى خلايا لايديغ المسؤولة عن إنتاج التستوستيرون، فالسكر المرتفع والإجهاد التأكسدي يُضعفان إنزيمات تصنيع الهرمون، ما يؤدي إلى انخفاض مستوياته واضطراب محور تحت المهاد - الغدة النخامة - الخصية. هذا الخلل الهرموني يُفاقم بدوره ضعف تكوين الحيوانات المنوية، ويؤثر في الرغبة والوظيفة الجنسية.
تؤكد المعطيات العلمية أن اضطراب الخصية السكري ليس حتمياً وأن التدخل المبكر وضبط العوامل الأيضية قد يحدّان من تأثيره، ومع أن الطريق لا يزال طويلًا لترجمة هذه النتائج إلى ممارسات سريرية واسعة، فإنها تمثل خطوة مهمة نحو حماية الخصوبة لدى الرجال المصابين بالسكري.